تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله
قَيِّماً
. أما إذا قلنا بأن الجملة المنفية اعتراض فهو جائز ، ويفصل بجمل للاعتراض بين الحال وصاحبها . وقال العسكري : في الآية تقديم وتأخير كأنه قال : احمدوا اللّه على إنزال القرآن
قَيِّماً
لا عوج فيه ، ومن عادة البلغاء أن يقدّموا الأهم . وقال أبو عبد اللّه الرازي :
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
يدل على كونه مكملا في ذاته . وقوله قيما يدل على كونه مكملا بغيره ، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره اللّه ، وأن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه . وقال الكرماني : إذا جعلته حالا وهو الأظهر فليس فيه تقديم ولا تأخير ، والصحيح أنهما حالان من
الْكِتابَ
الأولى جملة والثانية مفرد انتهى . وهذا على مذهب من يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف ، وكثير من أصحابنا على منع ذلك انتهى . واختاره الأصبهاني وقال : هما حالان متواليان والتقدير غير جاعل له
عِوَجاً قَيِّماً
وقال صاحب حل العقد : يمكن أن يكون قوله قيما بدلا من قوله
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
أي جعله مستقيما
قَيِّماً
انتهى . ويكون بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيدا أبو من أنه بدل جملة من مفرد وفيه خلاف . وقيل :
قَيِّماً
حال من الهاء المجرورة في
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
مؤكدة . وقيل : منتقلة ، والظاهر أن الضمير في
لَهُ
عائد على
الْكِتابَ
وعليه التخاريج الإعرابية السابقة . وزعم قوم أن الضمير في
لَهُ
عائد على
عَبْدِهِ
والتقدير
عَلى عَبْدِهِ
وجعله
قَيِّماً
. وحفص يسكت على قوله
عِوَجاً
سكتة خفيفة ثم يقول
قَيِّماً
. وفي بعض مصاحف الصحابة
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
لكن جعله قيما ويحمل ذلك على تفسير المعنى لا أنها قراءة . وأنذر يتعدى لمفعولين قال
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
« 1 » وحذف هنا المفعول الأول وصرح بالمنذر به لأنه هو الغرض المسوق إليه فاقتصر عليه ، ثم صرح بالمنذر في قوله حين كرر الإنذار فقال :
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
فحذف المنذر أولا لدلالة الثاني عليه ، وحذف المنذر به لدلالة الأول عليه ، وهذا من بديع الحذف وجليل الفصاحة ، ولما لم يكرر البشارة أتى بالمبشر والمبشر به ، والظاهر أن
لِيُنْذِرَ
متعلقة بأنزل . وقال الحوفي : تتعلق بقيما ، ومفعول لينذر المحذوف قدره ابن عطية
لِيُنْذِرَ
العالم ، وأبو البقاء
لِيُنْذِرَ
العباد أو لينذركم . والزمخشري قدره خاصا قال : وأصله
لِيُنْذِرَ
الذين كفروا
بَأْساً شَدِيداً
، والبأس من قوله
بِعَذابٍ بَئِيسٍ
« 2 » وقد بؤس العذاب وبؤس
هامش
( 1 ) سورة النبأ : 78 / 40 . ( 2 ) سورة الأعراف : 7 / 165 .