الزمخشري : هو فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب انتهى . وناسب هذا أنه ذكر أثر ذلك تبتيك آذان الأنعام ، فناسب أن يكون التغيير هذا . وقيل : تغيير خلق اللّه هو أنّ كل ما يوجده اللّه لفضيلة فاستعان به في رذيلة فقد غير خلقه . وقد دخل في عمومه ما جعله اللّه تعالى للإنسان من شهوة الجماع ليكون سببا للتناسل على وجه مخصوص ، فاستعان به في السفاح واللواط ، فذلك تغيير خلق اللّه . وكذلك المخنث إذا نتف لحيته ، وتقنع تشبها بالنساء ، والفتاة إذا ترجلت متشبهة بالفتيان . وكل ما حلله اللّه فحرموه ، أو حرمه تعالى فحللوه . وعلى ذلك :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا
« 1 » وإلى هذه الجملة أشار المفسرون ، ولهذا قالوا : هو تغيير أحكام اللّه . وقيل : هو تغيير الإنسان بالاستلحاق أو النفي . وقيل : خضاب الشيب بالسواد . وقيل : معاقبة الولاة بعض الجناة بقطع الآذان ، وشق المناخر ، وكل العيون ، وقطع الأنثيين . ومن فسر بالوشم أو الخصاء أو غير ذلك مما هو خاص في التغيير ، فإنما ذلك على جهة التمثيل لا الحصر .
و
في حديث عياض المجاشعي : « وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإن الشياطين ألهتهم وأحالتهم عن دينهم ، فحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، وأمرتهم أن لا يغيروا خلقي » .
ومفعول أمر الثاني محذوف أي : ولآمرنهم بالتبتيك فيبتكن ، ولآمرنهم بالتغير فليغيرن . وحذف لدلالة ما بعده عليه . وقرأ أبو عمرو : ولآمرنهم بغير ألف ، كذا قاله ابن عطية . وقرأ أبي : وأضلنهم وأمنينهم وآمرنهم انتهى . فتكون جملا مقولة ، لا مقسما عليها .
وجاء ترتيب هذه الجمل المقسم عليها في غاية من الفصاحة ، بدأ أولا باستخلاص الشيطان نصيبا منهم واصطفائه إياهم ، ثم ثانيا بإضلالهم وهو عبارة عما يحصل في عقائدهم من الكفر ، ثم ثالثا بتمنيهم الأماني الكواذب والإطماعات الفارغة ، ثم رابعا بتبتيك آذان الأنعام ، هو حكم لم يأذن اللّه فيه ، ثم خامسا بتغيير خلق اللّه وهو شامل للتبتيك وغيره من الأحكام التي شرعها لهم . وإنما بدأ بالأمر بالتبتيك وإن كان مندرجا تحت عموم التغيير ، ليكون ذلك استدراجا لما يكون بعده من التغيير العام ، واستيضاحا من إبليس طواعيتهم في أول شيء يلقيه إليهم ، فيعلم بذلك قبولهم له . فإذا قبلوا ذلك أمرهم بجميع التغييرات التي يريدها منهم ، كما يفعل الإنسان بمن يقصد خداعه : يأمره أولا بشيء سهل ، فإذا رآه قد
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 59 .