لوقوعها من حيث المعنى على مذكر ، والفتنة اسم يكن والخبر
إِلَّا أَنْ قالُوا
جعل غير الأعرف الاسم والأعرف الخبر ومن قرأ
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
بالتاء ورفع الفتنة فأنث لتأنيث الفتنة والإعراب كإعراب ما تقدم قبله ، ومن قرأ
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
بالتاء
فِتْنَتُهُمْ
بالنصب فالأحسن أن يقدر
إِلَّا أَنْ قالُوا
مؤنثا أي
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
إلا مقالتهم . وقيل : ساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى . قال أبو علي : وهذا كقوله تعالى :
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
« 1 » فأنث الأمثال لما كانت الحسنات في المعنى . وقال الزمخشري : وقرئ
تَكُنْ
بالتاء و
فِتْنَتُهُمْ
بالنصب وإنما أنث
أَنْ قالُوا
لوقوع الخبر مؤنثا كقوله : من كانت أمك ؛ انتهى . وتقدم لنا أن الأولى أن يقدر
أَنْ قالُوا
بمؤنث أي إلا مقالتهم . وكذا قدره الزجاج بمؤنث أي مقالتهم ، وتخريج الزمخشري ملفق من كلام أبي علي وأما من كانت أمك فإنه حمل اسم كان على معنى من ، لأن من لها لفظ مفرد ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث وليس الحمل على المعنى لمراعاة الخبر ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر نحو
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
« 2 » . ونكن مثل من يا ذئب يصطحبان . ومن تقنت في قراءة التاء فليست تأنيث كانت لتأنيث الخبر وإنما هو للحمل على معنى من حيث أردت به المؤنث وكأنك قلت أية امرأة كانت أمك .
وقرأ الأخوان
وَاللَّهِ رَبِّنا
بنصب الباء على النداء أي يا ربنا ، وأجاز ابن عطية فيه النصب على المدح وأجاز أبو البقاء فيه إضمار أعني وباقي السبعة بخفضها على النعت ، وأجازوا فيه البدل وعطف البيان . وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين
وَاللَّهِ رَبِّنا
برفع الاسمين . قال ابن عطية : وهذا على تقديم وتأخير أنهم قالوا :
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
وَاللَّهِ رَبِّنا
ومعنى
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
جحدوا إشراكهم في الدنيا ،
روي أنهم إذا رأوا إخراج من في النار من أهل الإيمان ضجوا فيوقفون ويقال لهم أين شركاؤكم ؟ فينكرون طماعية منهم أن يفعل بهم ما فعل بأهل الإيمان
وهذا الذي روي مخالف لظاهر الآية ، وهو
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
ثم نقول فظاهره أنه لا يتراخى القول عن الحشر هذا التراخي البعيد من دخول العصاة المؤمنين النار وإقامتهم فيها ما شاء اللّه وإخراجهم منها ، ثم بعد ذلك كله يقال لهم أين شركاؤكم ؟ وأتى رجل إلى ابن عباس فقال : سمعت اللّه يقول :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
وفي أخرى
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
« 3 » فقال ابن عباس : لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن قالوا : تعالوا فلنجحد وقالوا :
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فختم اللّه على أفواههم وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون اللّه حديثا .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 160 .
( 2 ) سورة يونس : 10 / 42 .
( 3 ) سورة النساء : 4 / 42 .