تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
الغطاء والصمم هنا ليسا حقيقة بل ذلك من باب استعارة المحسوس للمعقول حتى يستقر في النفس ، استعار الأكنة لصرف قلوبهم عن تدبر آيات اللّه ، والثقل في الأذن لتركهم الإصغاء إلى سماعه ألا تراهم قالوا :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
« 1 » فلما لم يتدبروا ولم يصغوا كانوا بمنزلة من على قلبه غطاء وفي أذنه وقر . وقال قوم : ذلك حقيقة وهو لا يشعر به كمداخلة الشيطان باطن الإنسان وهو لا يشعر به ، ونحا الجبائي في فهم هذه الآية منحى آخر غير هذا فقال : كانوا يستمعون القراءة ليتوصلوا بسماعها إلى معرفة مكان الرسول بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه ، فعند ذلك كان اللّه يلقي على قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنة وتثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم وهو المراد بقوله :
فِي آذانِهِمْ وَقْراً
. وقيل : إن الإنسان الذي علم اللّه منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم اللّه قلبه بعلامة مخصوصة تستدل الملائكة برؤيتها على أنهم لا يؤمنون ، وإذا ثبت هذا فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان . وقيل : لما أصرّوا على الكفر صار عدولهم عن الإيمان كالكنان المانع عن الإيمان فذكر تعالى ذلك كناية عن هذا المعنى . وقيل : لما منعهم الإلطاف التي إنما تصلح أن يفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم وفوّضهم إلى أنفسهم ليسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه ، فيقول :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
. وقيل : يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم وقالوا : قلوبنا في أكنة وهذه الأقوال كلها تعزى إلى الجبائي وهي كلها فرار من نسبة الجعل إلى اللّه حقيقة فتأوّلوا ذلك على هذه المجازات البعيدة ، وقد نحا الزمخشري منحى بعض هذه الأقوال فقال : الأكنة على القلوب والوقر في الآذان تمثيل نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله :
وَجَعَلْنا
للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه ، أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
« 2 » ؛ انتهى . وهو جار على مذهب أصحابه المعتزلة ، وأما عند أهل السنة فنسبة الجعل إلى اللّه حقيقة لا مجاز وهي مسألة خلق الأعمال يبحث فيها في أصول الدّين . قال ابن عطية : وهذه عبارة عن ما جعل اللّه في نفوس هؤلاء القوم من الغلظ والبعد عن قبول الخير كأنهم لم يكونوا سامعين لأقواله .
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
لما ذكر عدم انتفاعهم بعقولهم حتى كأن على
هامش
( 1 ) سورة فصلت : 41 / 26 . ( 2 ) سورة فصلت : 41 / 5 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 469 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل