تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
تقدّم الكلام على إعراب ما قال الزمخشري في قوله : أن سخط اللّه ، أنه هو المخصوص بالذم ومحله الرفع كأنه قيل : لبئس زادهم إلى الآخرة سخط اللّه عليهم ، والمعنى موجب سخط اللّه عليهم انتهى . ولا يصح هذا الإعراب إلا على مذهب الفرّاء ، والفارسي في أنّ ما موصولة ، أو على مذهب من جعل في بئس ضميرا ، وجعل ما تمييزا بمعنى شيئا ، وقدّمت صفة التمييز . وأما على مذهب سيبويه فلا يستوي ذلك ، لأن ما عنده اسم تام معرفة بمعنى الشيء ، والجملة بعده صفة للمخصوص المحذوف ، والتقدير : لبئس الشيء شيء قدّمت لهم أنفسهم ، فيكون على هذا أن سخط اللّه في موضع رفع بدل من ما انتهى . ولا يصح هذا سواء كانت موصولة ، أم تامة ، لأن البدل يحل محل المبدل منه ، وأن سخط لا يجوز أن يكون فاعلا لبئس ، لأن فاعل نعم وبئس لا يكون أن والفعل . وقيل : إن سخط في موضع نصب بدلا من الضمير المحذوف في قدّمت ، أي : قدّمته كما تقول : الذي ضربت زيدا أخوك تريد ضربته زيدا . وقيل : على إسقاط اللام أي : لأن سخط .
وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ
لما ذكر ما قدّموا إلى الآخرة زادا ، وذمّه بأبلغ الذم ، ذكر ما صاروا إليه وهو العذاب وأنهم خالدون فيه ، وأنه ثمرة سخط اللّه ، كما أن السخط ثمرة العصيان .
وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ
إن كان المراد بقوله :
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ
« 1 » أسلافهم ، فالنبي داود وعيسى أو معاصري الرسول ، فالنبي هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والذين كفروا عبدة الأوثان . والمعنى : لو كانوا يؤمنون إيمانا خالصا غير نفاق ، إذ موالاة الكفار دليل على النفاق . والظاهر في ضمير كانوا وضمير الفاعل في ما اتخذوهم أنه يعود على كثيرا منهم ، وفي ضمير المفعول أنه يعود على الذين كفروا . وقال القفال وجها آخر وهو : أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ما اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء . والوجه الأول أولى ، لأن الحديث إنما هو عن قوله كثيرا منهم ، فعود الضمائر على نسق واحد أولى من اختلافها . وجاء جواب لو منفيا بما بغير لام ، وهو الأفصح ، ودخول اللام عليه قليل نحو قوله :
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 80 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 339 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل