تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
تحققهم بالكفر وتماديهم عليه ، وأنّ رؤية الرسول لم تجد عنهم ، ولم يتأثروا لها . وكذلك إن كان ضمير الخطاب في : وإذا جاءوكم قالوا آمنا ، كان ينبغي لهم أن يؤمنوا ظاهرا وباطنا لما يرون من اختلاف المؤمنين وتصديقهم للرسول ، والاعتماد على اللّه تعالى والرغبة في الآخرة ، والزهد في الدنيا ، وهذه حال من ينبغي موافقته . وكان ينبغي إذ شاهدوهم أن يتبعوهم على دينهم ، وأن يكون إيمانهم بالقول موافقا لاعتقاد قلوبهم . وفي الآية دليل على جواز مجيء حالين لذي حال واحد ، إن كانت الواو في : وهم ، واو حال ، لا واو عطف ، خلافا لمن منع ذلك إلا في أفعل التفضيل . والظاهر أنّ الدخول والخروج حقيقة . وقيل : هما استعارة ، والمعنى : تقلبوا في الكفر أي دخلوا في أحوالهم مضمرين الكفر وخرجوا به إلى أحوال أخر مضمرين له ، وهذا هو التقلب . والحقيقة في الدخول انفصال بالبدن من خارج مكان إلى داخله ، وفي الخروج انفصال بالبدن من داخله إلى خارجه .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ
أي من كفرهم ونفاقهم . وقيل من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ونعته وفي هذا مبالغة في إفشاء ما كانوا يكتمونه من المكر بالمسلمين والكيد والعداوة .
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
يحتمل ترى أن تكون بصرية ، فيكون يسارعون صفة . وأن تكون علمية ، فيكون مفعولا ثانيا . والمسارعة : الشروع بسرعة . والإثم الكذب . والعدوان الظلم . يدل قوله عن قولهم الإثم على ذلك ، وليس حقيقة الإثم الكذب ، إذ الإثم هو المتعلق بصاحب المعصية ، أو الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعدى بهم إلى غيرهم . أو الإثم الكفر ، والعدوان الاعتداء . أو الإثم ما كتموه من الإيمان ، والعدوان ما يتعدى فيها . وقيل : العدوان تعديهم حدود اللّه أقوال خمسة . والجمهور على أن السحت هو الرشا ، وقيل : هو الربا ، وقيل : هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث . وعلق الرؤية بالكثير منهم ، لأن بعضهم كان لا يتعاطى ذلك المجموع أو بعضه . وأكثر استعمال المسارعة في الخير ، فكان هذه المعاصي عندهم من قبيل الطاعات ، فلذلك يسارعون فيها . والإثم يتناول كل معصية يترتب عليها العقاب ، فجرد من ذلك العدوان وأكل السحت ، وخصا بالذكر تعظيما لهاتين المعصيتين وهما : ظلم غيرهم ، والمطعم الخبيث الذي ينشأ عنه عدم قبول الأعمال الصالحة . وقرأ أبو حيوة : العدوان بكسر ضمة العين ، وتقدم الكلام في ما بعد بئس في قوله :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 90 .