تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
علماؤهم وهم أتباعهم في ذلك . واليد في الجارحة حقيقة ، وفي غيرها مجاز ، فيراد بها النعمة تقول العرب : كم يدلي عند فلان ، والقوة والملك والقدرة . قل : إن الفضل بيد اللّه ، قال الشاعر : وأنت على أعباء ملكك ذو يد أي ذو قدرة ، والتأييد والنصر يد اللّه مع القاضي حين يقضي ، والقاسم حين يقسم . وتأتي صلة
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
« 1 » أي مما عملنا
أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ
« 2 » أي الذي له عقدة النكاح . وظاهر قول اليهود إن اللّه يدا فإن كانوا أرادوا الجارحة فهو مناسب مذهبهم إذ هو التجسيم ، زعموا أن ربهم أبيض الرأس واللحية ، قاعد على كرسي . وزعموا أنه فرغ من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة ، واستلقى على ظهره واضعا إحدى رجليه على الأخرى للاستراحة . وردّ اللّه تعالى ذلك بقوله :
وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ
« 3 »
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
« 4 » وظاهر مساق الآية يدل على أنهم أرادوا بغلّ اليد وبسطها المجاز عن البخل والجود ، ومنه
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 5 » ولا يقصد من يتكلم بهذا الكلام إثبات يد ولا غل ولا بسط ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه ، كأنهما كلامان متعاقبان على حقيقة واحدة ، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ، ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها . وقال حبيب في المعتصم :
تعود بسط الكف حتى لو أنه * ثناها لقبض لم تجبه أنامله
كنى بذلك عن المبالغة في الكرم . وسبب مقالة اليهود ذلك على ما قال ابن عباس : هو أن اللّه كان يبسط لهم الرزق ، فلما عصوا أمر الرسول وكفروا به كف عنهم ما كان يبسط لهم فقالوا ذلك . وقال قتادة : لما استقرض منهم قالوا ذلك وهو بخيل . وقيل : لما استعان بهم في الديات . وهذه الأسباب مناسبة لسياق الآية . وقال قتادة أيضا : لما أعان النصارى بخت‌نصر المجوسي على تخريب بيت المقدس قالت اليهود : لو كان صحيحا لمنعنا منه ، فيده مغلولة . وقال الحسن : مغلولة عن عذابهم فهي في معنى :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
وهذان القولان يدفعهما قوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
« 6 » . وقال الكلبي :
هامش
( 1 ) سورة يس : 36 / 71 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 237 . ( 3 ) سورة الأحقاف : 46 / 33 . ( 4 ) سورة ق : 5 / 38 . ( 5 ) سورة الإسراء : 17 / 29 . ( 6 ) سورة المائدة : 5 / 64 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 313 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل