تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
ترتب على الحرابة ، وهذا فعل عليّ رضي اللّه عنه بحارثة بن بدر العراني فإنه كان محاربا ثم تاب قبل القدرة عليه ، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتابا منشورا . وقالوا : لا نظر للإمام فيه إلا كما ينظر في سائر المسلمين ، فإن طولب بدم نظر فيه أو قيد منه بطلب الولي ، وإن طولب بمال فمذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي : يؤخذ ما وجد عنده من مال غيره ، ويطالب بقيمة ما استهلك . وقال قوم من الصحابة والتابعين : لا يطالب بما استهلك ، ويؤخذ ما وجد عنده بعينه . وحكى الطبري عن عروة : أنه لا تقبل توبة المحارب ، ولكن لو فر إلى العدوّ ثم جاءنا تائبا لم أر عليه عقوبة . قال الطبري : ولا أدري هل أراد ارتد أم لا ؟ وقال الأوزاعي نحوه ، إلا أنه قال : إذا لحق بدار الحرب فارتد عن الإسلام ، أو بقي عليه ، ثم جاءنا تائبا من قبل أن نقدر عليه قبلت توبته .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
مناسبة هذه الآية لما قبلها ، أنه تعالى لما ذكر جزاء من حارب اللّه ورسوله وسعى في الأرض فسادا من العقوبات الأربع ، والعذاب العظيم المعد لهم في الآخرة ، أمر المؤمنين بتقوى اللّه ، وابتغاء القربات إليه ، فإن ذلك هو المنجي من المحاربة والعقاب المعد للمحاربين . ولما كانت الآية نزلت في العرنيين والكلبيين ، أو في أهل الكتاب اليهود ، أو في المشركين على الخلاف في سبب النزول ، وكل هؤلاء سعى في الأرض فسادا ، نص على الجهاد ، وإن كان مندرجا تحت ابتغاء الوسيلة لأن به صلاح الأرض ، وبه قوام الدين ، وحفظ الشريعة ، فهو مغاير لأمر المحاربة ، إذ الجهاد محاربة مأذون فيها ، وبالجهاد يدفع المحاربون . وأيضا ففيه تنبيه على أنه يجب أن تكون القوّة والبأس الذي للمحارب مقصورا على الجهاد في سبيل اللّه تعالى ، وأن لا يضع تلك النجدة التي وهبها اللّه له للمحاربة في معصية اللّه تعالى ، وهل الوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها ، أو الحاجة ، أو الطاعة ، أو الجنة ، أو أفضل درجاتها ، أقوال للمفسرين . وذكر رجاء الفلاح على تقدير حصول ما أمر به قبل من التقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله . والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه ، والفوز بالمرجوّ .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة ، وذكر فوزهم في الآخرة وما آلوا إليه من الفلاح ، شرح حال الكفار وعاقبة كفرهم ، وما أعد لهم من العذاب . والجملة من لو وجوابها في موضع خبر إنّ ، ومعنى ما في الأرض : من صنوف الأموال التي
البحر المحيط في التفسير — صفحة 242 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل