تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
لهم : إنّ العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم ، وارجعوا إليهم فإنكم غالبوهم تشجيعا لهم على قتالهم .
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
لما رأيا بني إسرائيل قد عصوا الرسول في الإقدام على الجهاد مع وعد اللّه لهم السابق ، استرابا في إيمانهم ، فأمراهم بالتوكل على اللّه إذ هو الملجأ والمفزع عند الشدائد ، وعلق ذلك بشرط الإيمان الذي استرابا في حصوله لبني إسرائيل .
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها
لما كرر عليهم أمر القتال كرروا الامتناع على سبيل التوكيد بالمولين ، وقيدوا أولا نفي الدخول بالظرف المختص بالاستقبال وحقيقته التأبيد ، وقد يطلق على الزمان المتطاول فكأنهم نفوا الدخول طول الأبد ، ثم رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومة الجبارين فيها ، فأبدلوا زمانا مقيدا من زمان هو ظاهر في العموم في الزمان المستقبل ، فهو بدل بعض من كل .
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا
ظاهر الذهاب الانتقال ، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة ، ولذلك قال الحسن : هو كفر منهم باللّه تعالى . قال الزمخشري : والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة باللّه ورسله وقلة مبالاة بهما واستهزاء ، وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وجفائهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل ، وسألوا بها رؤية اللّه جهرة ، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم . ويحكى أنّ موسى وهارون خرّا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد عليهما فسموا برجمهما ، ولأمر ما قرن اللّه اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
« 1 » وقيل : يحتمل أن لا يقصدوا الذهاب حقيقة ، ولكن كما تقول : كلمته فذهب يجيبني ، يريد معنى الإرادة والقصد للجواب ، كأنهم قالوا : أريد إقبالهم . والمراد بالرّب هنا هو اللّه تعالى . وذكر النقاش عن بعض المفسرين هنا أن المراد بالرّب هارون ، لأنه كان أسن من موسى ، وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره ، فكأنهم قالوا : اذهب أنت وكبيرك . وهو تأويل بعيد يخلص بني إسرائيل من الكفر . وربك معطوف على الضمير المستكن في اذهب المؤكد بالضمير المنفصل ، وقد تقدّم الكلام على ذلك في قوله :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
« 2 » ورددنا قول من ذهب
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 82 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 35 .