تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قومه وتلونهم مع طول الصحبة ، فلم يذكر إلا النبي المعصوم الذي لا شبهة في ثباته . قيل : أو قال ذلك على سبيل الضجر عندما سمع منهم تعليلا لمن يوافقه ، أو أراد بقوله : وأخي ، من يوافقني في الدين لا هارون خاصة . وقرأ الحسن : إلا نفسي وأخي بفتح الياء فيهما .
فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
ظاهره أنه دعا بأن يفرق اللّه بينهما وبينهم بأن يفقد وجوههم ولا يشاهد صورهم إذا كانوا عاصين له مخالفين أمر اللّه تعالى ، ولذلك نبه على العلة الموجبة للتفرقة بينهم وبين الفسق . فالمطيع لا يريد صحبة الفاسق ولا يؤثرها لئلا يصيبه بالصحبة ما يصيبه ،
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
« 1 » « أنهلك وفينا الصالحون » وقبل اللّه دعاءه فلم يكونا معهم في التيه ، بل فرق بينه وبينهم ، لأن التيه كان عقابا خص به الفاسقون العاصون . وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما : المعنى فافصل بيننا بحكم يزيل هذا الاختلاف ويلمّ الشعث . وقيل : المعنى فافرق بيننا وبينهم في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة لمنزلة العاصي الفاسق . وقال الزمخشري : فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق ، وعليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، ولذلك وصل به قوله : فإنها محرمة عليهم ، على وجه التشبيه . وقرأ عبيد بن عمير ويوسف بن داود : فافرق بكسر الراء وقال الراجز :
يا رب فافرق بينه وبيني * أشدّ ما فرّق بين اثنين
وقرأ ابن السميفع : ففرق . والفاسقون هنا قال ابن عباس : العاصون . وقال ابن زيد : الكاذبون . وقال أبو عبيد : الكافرون .
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
أي قال اللّه تعالى فأضمر في قال وضمير ، فإنها إلى الأرض المقدّسة محرّمة عليهم ، أي محرم دخولها وتملكهم إياها وتقدّم الكلام على انتظام قوله :
كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
« 2 » مع قوله محرمة عليهم ، ودل هذا على أنهم بعد الأربعين لا تكون محرمة عليهم . فروي أن موسى وهارون عليهما السّلام كانا معهم في التيه عقوبة لهم وروحا وسلاما لهما ، لا عقوبة ، كما كانت النار لإبراهيم ولملائكة العذاب . فروي أن موسى سار بعد الأربعين بمن بقي من بني إسرائيل ، وكان يوشع وكالب على مقدمته ، ففتح أريحا وقتل عوج بن عنق ، وذكروا من وصف عوج وكيفية قتل موسى له ما لا يصح . وأقام موسى فيها ما شاء اللّه ثم قبض . وقيل : مات هارون في
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 25 . ( 2 ) سورة المائدة : 5 / 21 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 222 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل