تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
الأنبياء . وقال ابن جرير : ما أوتي أحد من النعم في زمان قوم موسى ما أوتوا ، خصوا بفلق البحر لهم ، وإنزال المن والسلوى ، وإخراج المياه العذبة من الحجر ، ومد الغمام فوقهم . ولم تجمع النبوة والملك لقوم كما جمعا لهم ، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء باللّه وأحباؤه وأنصار دينه انتهى . وأن المراد كثرة الأنبياء ، أو خصوصات مجموع آيات موسى . فلفظ العالمين مقيد بالزمان الذي كان فيه بنو إسرائيل ، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد صلى اللّه عليه وسلم أكثر من ذلك : قد ظلل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه ، وكلمته الحجارة والبهائم ، وأقبلت إليه الشجرة ، وحن له الجذع ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وشبع كثير من الناس من قليل الطعام ببركته ، وانشق له القمر ، وعد العود سيفا ، وعاد الحجر المعترض في الخندق رملا مهيلا إلى غير ذلك من آياته العظمى ومعجزاته الكبرى . وهذه المقالة من موسى لبني إسرائيل وتذكيرهم بنعم اللّه هي توطئة لنفوسهم ، وتقدم إليهم بما يلقى من أمر قتال الجبارين ليقوي جأشهم ، وليعلموا أنّ من أنعم اللّه عليه بهذه النعم العظيمة لا يخذله اللّه ، بل يعليه على عدوه ويرفع من شأنه ، ويجعل له السلطنة والقهر عليه . والخطاب في قوله : وآتاكم ، ظاهره أنه لبني إسرائيل كما شرحناه ، وأنه من كلام موسى لهم ، وبه قال الجمهور . وقال أبو مالك ، وابن جبير : هو خطاب لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وانتهى الكلام عند قوله : وجعلكم ملوكا ، ثم التفت إلى هذه الأمة لما ذكر موسى قومه بنعم اللّه ، ذكر اللّه أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بهذه النعمة الظاهرة جبرا لقلوبهم ، وأنه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وعلى هذا المراد بالعالمين العموم ، فإن اللّه فضل أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم على سائر الأمم ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وأسبغ عليهم من النعم ما لم يسبغها على أحد من الأمم ، وهذا معنى قول ابن جرير وهو اختياره . وقال ابن عطية : وهذا ضعيف ، وإنما ضعف عنده لأن الكلام في نسق واحد من خطاب موسى لقومه ، وهو معطوف على ما قبله ، ولا يلزم ما قاله ، لأن القرآن جاء على قانون كلام العرب من الالتفات والخروج من خطاب إلى خطاب ، لا سيما إذا كان ظاهر الخطاب لا يناسب من خوطب أولا ، وإنما يناسب من وجه إليه ثانيا ، فيقوي بذلك توجيه الخطاب إلى الثاني إذا حمل اللفظ على ظاهره . وقرأ ابن محيصن : يا قوم بضم الميم ، وكذا حيث وقع في القرآن ، وروي ذلك عن ابن كثير . وهذا الضم هو على معنى الإضافة ، كقراءة من قرأ : قل رب احكم بالحق بالضم وهي إحدى اللغات الخمس الجائزة في المنادى المضاف لياء المتكلم .
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
المقدسة المطهرة ، وهي