تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
مقدس عن ذلك ، والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضا للقديم ، والقديم لا بعض له ، لأن الأحدية حقه ، وإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد ، وإذا لم يكن له ولد لم يجز على الوجه الذي اعتقدوه أن بينهم وبينه محبة .
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
أضرب عن الاستدلال من غير إبطال له إلى استدلال آخر من ثبوت كونهم بشرا من بعض من خلق ، فهم مساوون لغيرهم في البشرية والحدوث ، وهما يمنعان البنوة . فإنّ القديم لا يلد بشرا ، والأب لا يخلق ابنه ، فامتنع بهذين الوجهين البنوة ، وامتنع بتعذيبهم أن يكونوا أحباء اللّه ، فبطل الوصفان اللذان ادعوهما .
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
أي يهديه للإيمان فيغفر له .
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
أي يورطه في الكفر فيعذبه ، أو يغفر لمن يشاء وهم أهل الطاعة ، ويعذب من يشاء وهم العصاة . قاله الزمخشري . وفيه شيء من دسيسة الاعتزال ، لأنّ من العصاة عندنا من لا يعذبه اللّه تعالى بل يغفر له . وقيل : المعنى أنه ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ، أو يمنعه أن يعذبه ، ولذلك عقبه بقوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
فله التصرف التام يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه .
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
أي الرجوع بالحشر والمعاد .
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
أهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، والرسول هو محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : المخاطب بأهل الكتاب هنا هم اليهود خاصة ، ويرجحه ما روي في سبب النزول : وأن معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب قالوا : يا معشر اليهود اتقوا اللّه ، فو اللّه إنكم لتعلمون أنه رسول اللّه . ويبين لكم أي يوضح لكم ويظهر . ويحتمل أن يكون مفعول يبين حذف اختصار ، أو يكون هو المذكور في الآية . قبل هذا ، أي : يبين لكم ما كنتم تخفون ، أو يكون دل عليه معنى الكلام أي : شرائع الدين . أو حذف اقتصارا واكتفاء بذكر التبيين مسندا إلى الفاعل ، دون أن يقصد تعلقه بمفعول ، والمعنى : يكون منه التبيين والإيضاح . ويبين لكم هنا وفي الآية قبل في موضع نصب على الحال . وعلى فترة متعلق بجاءكم ، أو في موضع نصب على الحال ، والمعنى : على فتور وانقطاع من إرسال الرسل . والفترة التي كانت بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعيسى عليه السّلام قال قتادة : خمسمائة سنة
البحر المحيط في التفسير — صفحة 213 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل