تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
قولي وقال : إذا كنت أنت بعض مخلوقات اللّه قادرا على أن تأكل وتشرب ، فكيف لا يكون اللّه قادرا على ذلك ؟ فاستدللت من ذلك على فرط غباوته وجهله بصفات اللّه تعالى . وذهب ابن عباس إلى أنهم أهل نجران ، وزعم طائفة منهم أنه إله الأرض ، واللّه إله السماء . ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تستر بالإسلام ظاهرا وانتمى إلى الصوفية حلول اللّه تعالى في الصور الجميلة ، ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة : كالحلاج ، والشوذى ، وابن أحلى ، وابن العربي المقيم كان بدمشق ، وابن الفارض . وأتباع هؤلاء كابن سبعين ، والتستري تلميذه ، وابن مطرف المقيم بمرسية ، والصفار المقتول بغرناطة ، وابن اللباج ، وأبو الحسن المقيم كان بلورقة . وممن رأيناه يرمي بهذا المذهب الملعون العفيف التلمساني وله في ذلك أشعار كثيرة ، وابن عياش المالقي الأسود الأقطع المقيم كان بدمشق ، وعبد الواحد بن المؤخر المقيم كان بصعيد مصر ، والأيكي العجمي الذي كان تولى المشيخة بخانقاه سعيد السعداء بالقاهر من ديار مصر ، وأبو يعقوب بن مبشر تلميذ التستري المقيم كان بحارة زويلة . وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحا لدين اللّه يعلم اللّه ذلك وشفقة على ضعفاء المسلمين ، وليحذروا فهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون اللّه تعالى ورسله ويقولون بقدم العالم ، وينكرون البعث . وقد أولع جهلة ممن ينتمي للتصوّف بتعظيم هؤلاء وادّعائهم أنهم صفوة اللّه وأولياؤه ، والردّ على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين . وقال ابن عطية : القائلون بأن اللّه هو المسيح فرقة من النصارى ، وكل فرقهم على اختلاف أقوالهم يجعل للمسيح حظا من الألوهية . وقال الزمخشري : قيل : كان في النصارى من يقول ذلك ، وقيل : ما صرحوا به ، ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر العالم .
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
هذا ردّ عليهم . والفاء في : فمن للعطف على جملة محذوفة تضمنت كذبهم في مقالتهم التقدير : قل كذبوا ، وقل ليس كما قالوا فمن يملك ، والمعنى : فمن يمنع من قدرة اللّه وإرادته شيئا ؟ أي : لا أحد يمنع مما أراد اللّه شيئا إن أراد أن يهلك من ادعوه إلها من المسيح وأمه . وفي ذلك دليل على أنه وأمه عبدان من عباد اللّه لا يقدران على رفع الهلاك عنهما ، بل تنفذ فيهما إرادة اللّه تعالى ، ومن تنفذ فيه لا يكون إلها ، وعطف عليهما : ومن في الأرض جميعا ، عطف العام على الخاص ليكونا قد ذكرا مرّتين : مرّة بالنص عليهما ،
البحر المحيط في التفسير — صفحة 210 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل