معنى واحد وهو رضا اللّه تعالى وفضله بالرحمة . نهى تعالى أن يتعرض لقوم هذه صفتهم تعظيما لهم واستنكارا أن يتعرض لمثلهم . وفي النهي عن التعرض لهم استئلاف للعرب ولطف بهم وتنشيط لورود الموسم ، وفي الموسم يسمعون القرآن ، وتقوم عليهم الحجة ، ويرجى دخولهم في الإيمان كالذي كان .
ونزلت هذه الآية عام الفتح ، فكل ما كان فيها في حق مسلم حاج فهو محكم ، أو في حق كافر فهو منسوخ ، نسخ ذلك بعد عام سنة تسع ، إذ حج أبو بكر ونودي في الناس بسورة براءة . وقول الحسن وأبي ميسرة : ليس فيها منسوخ ، قول مرجوح . وقرأ حميد بن قيس والأعرج : تبتغون بالتاء خطابا للمؤمنين ، والمعنى على الخطاب أنّ المؤمنين كانوا يقصدون قتالهم والغارة عليهم ، وصدهم عن المسجد الحرام امتثالا لأمر اللّه وابتغاء مرضاته ، إذ أمر تعالى بقتال المشركين ، وقتلهم وسبي ذراريهم ، وأخذ أموالهم ، حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وقرأ الأعمش : ورضوانا بضم الراء ، وتقدم في آل عمران أنها قراءة أبي بكر عن عاصم ، حيث وقع إلا في ثاني هذه السورة ، فعنه فيه خلاف .
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
تضمن آخر قوله : أحلت لكم تحريم الصيد حالة الإحرام ، وآخر قوله : لا تحلوا شعائر اللّه ، النهي عن إحلال آمي البيت ، فجاءت هذه الجملة راجعا حكمها إلى الجملة الأولى ، وجاء ما بعدها من قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
« 1 » راجعا إلى الجملة الثانية ، وهذا من بليغ الفصاحة . فليست هذه الجملة اعتراضا بين قوله :
ولا آمين البيت الحرام ، وقوله : ولا يجرمنكم ، بل هي مؤسسة حكما لا مؤكدة مسددة فيكون أصل التركيب : غير محلي الصيد وأنتم حرم ، فإذا حللتم فاصطادوا . وفي الآية الثانية يكون أصل التركيب : ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ولا يجر منكم ، كما ذهب إليه بعضهم وجعل من ذلك قصة ذبح البقرة ، فقال : وجه النظر أن يقال :
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
« 2 » الآية ثم يقال :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
« 3 » وكثيرا ما ذكر هذا الرجل التقديم والتأخير في القرآن ، والعجب منه أنه يجعله من علم البيان والبديع ، وهذا لا يجوز عندنا إلا في ضرورة الشعر ، وهو من أقبح الضرائر ، فينبغي بل يجب أن ينزه القرآن عنه .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 2 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 72 .
( 3 ) سورة البقرة : 2 / 54 .