السورة أحكاما كثيرة هي تفصيل لذلك المجمل . قالوا : وقد تضمنت هذه السورة ثمانية عشر فريضة لم يبينها في غيرها ، وسنبينها أوّلا فأوّلا إن شاء اللّه تعالى . وذكروا أن الكندي الفيلسوف قال له أصحابه : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن ، فقال : نعم ، أعمل مثل بعضه ، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : واللّه ما أقدر ، ولا يطيق هذا أحد ، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة ، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في إجلاد انتهى .
والظاهر أنّ النداء لأمة الرسول المؤمنين . وقال ابن جريج : هم أهل الكتاب . وأمر تعالى المؤمنين بإيفاء العقود وهي جمع عقد ، وهو العهد ، قاله : الجمهور ، وابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي . وقال الزجاج : العقود أوكد من العهود ، وأصله في الاجرام ثم توسع فأطلق في المعاني ، وتبعه الزمخشري فقال : هو العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه . قال الحطيئة :
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدّوا العناج وشدوا فوقه الكربا
والظاهر عموم المؤمنين في المخلص والمظهر ، وعموم العقود في كل ربط يوافق الشرع سواء كان إسلاميا أم جاهليا
وقد سأل فرات بن حنان العجلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال : « لعلك تسأل عن حلف تيم اللّه » قال : نعم يا نبي اللّه . قال :
« لا يزيده الإسلام إلا شدة » .
و
قال صلى اللّه عليه وسلم في حلف الفضول وكان شهده في دار عبد اللّه بن جدعان : « ما أحب أنّ لي به حمر النعم ولو ادّعى به في الإسلام لأجبت »
وكان هذا الحلف أنّ قريشا تعاقدوا على أن لا يجدوا مظلوما بمكة من أهلها أو من غير أهلها إلا قاموا معه حتى ترد مظلمته ، وسميت ذلك الحلف حلف الفضول .
وكان الوليد بن عقبة أميرا على المدينة ، فتحامل على الحسين بن علي في مال فقال : لتنصفني من حقي وإلا أخذت بسيفي ، ثم لأقومن في مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول .
فقال عبد اللّه بن الزبير : لئن دعاني لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من خصمه ، أو نموت جميعا . وبلغت المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عثمان بن عبد اللّه التيميّ فقالا مثل ذلك ، وبلغ ذلك الوليد فأنصفه .
ويندرج في هذا العموم كل عقد مع إنسان كأمان ، ودية ، ونكاح ، وبيع ، وشركة ،