تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
الذي دل عليه قوله : يكفر بها ويستهزأ أي : فلا تقعدوا مع الكافرين المستهزئين ، وحتى غاية لترك القعود معهم . ومفهوم الغاية أنهم إذا خاضوا في غير الكفر والاستهزاء ارتفع النهي ، فجاز لهم أن يقعدوا معهم . والضمير عائد على ما دل عليه المعنى أي : في حديث غير حديثهم الذي هو كفر واستهزاء . ويحتمل أن يفرد الضمير ، وإن كان عائدا على الكفر وعلى الاستهزاء المفهومين من قوله : يكفر بها ويستهزأ بها ، لأنهما راجعان إلى معنى واحد ، ولأنه أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة في كونه لمفرد ، وإن كان المراد به اثنين .
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
حكم تعالى بأنهم إذا قعدوا معهم وهم يكفرون بآيات اللّه ويستهزءون بها ، وهم قادرون على الإنكار مثلهم في الكفر ، لأنهم يكونون راضين بالكفر ، والرضا بالكفر كفر . والخطاب في أنكم على الخلاف السابق أهو للمنافقين ؟ أم للمؤمنين ؟ ولم يحكم تعالى على المسلمين الذين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين بمكة بأنهم مثل المشركين ، لعجز المسلمين إذ ذاك عن الإنكار بخلاف المدينة ، فإن الإسلام كان الغالب فيها والأعلى ، فهم قادرون على الإنكار ، والسامع للذم شريك للقائل ، وما أحسن ما قال الشاعر :
وسمعك صن عن سماع القبيح * كصون اللسان عن النطق به
قال ابن عطية : وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة كقوله الشاعر :
عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدى
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين : إنه صائم فحمل عليه الأدب ، وقرأ : إنكم إذا مثلهم . ومن ذهب إلى أنّ معنى قوله : إنكم إذا مثلهم ، إن خضتم كخوضهم ووافقتموهم على ذلك فأنتم كفار مثلهم ، قوله تنبو عنه دلالة الكلام . وإنما المعنى ما قدّمناه من أنكم إذا قعدتم معهم مثلهم . وإذا هنا توسطت بين الاسم والخبر ، وأفرد مثل ، لأن المعنى أنّ عصيانكم مثل عصيانهم ، فالمعنى على المصدر كقوله :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
« 1 » وقد جمع في قوله :
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
« 2 » وفي قوله :
حُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ
« 3 » والإفراد
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون : 3 / 47 . ( 2 ) سورة محمد : 47 / 38 . ( 3 ) سورة الواقعة : 56 / 22 - 23 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 103 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل