تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ
: ولما أقام الدلائل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه ، عجب الرسول عليه الصلاة والسلام من إنكار المشركين وجدانيته ، وتوهينهم قدرته لضعف عقولهم فنزل : وإن تعجب . قال ابن عباس : وإن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا حكموا عليك أنك من الصادقين ، فهذا أعجب . وقيل : وإن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد ، فهذا أعجب . قال الزمخشري : وإن تعجب من قولهم يا محمد في إنكار البعث ، فقولهم عجيب حقيق بأن يتعجب منه ، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ، ولم يعي بخلقهن ، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره ، فكان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب انتهى . وليس مدلول اللفظ ما ذكر ، لأنه جعل متعلق عجبه صلّى اللّه عليه وسلّم هو قولهم في إنكار البعث ، فاتحد الجزاء والشرط ، إذ صار التقدير : وإن تعجب من قولهم في إنكار البعث فاعجب من قولهم في إنكار البعث ، وإنما مدلول اللفظ أن يقع منك عجب ، فليكن من قولهم : أإذا كنا الآية . وكان المعنى الذي ينبغي أن يتعجب منه : هو إنكار البعث ، لأنه تعالى هو المخترع للأشياء . ومن كان قادرا على إبرازها من العدم الصرف كان قادرا على الإعادة ، كما قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
« 1 » وهو أهون عليه أي : هين عليه . وقال ابن عطية : هذه الآية توبيخ للكفرة ، أي : إن تعجب يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن الحق ، فهم أهل لذلك ، وعجيب وغريب أن تنكر قلوبهم العود بعد كوننا خلقا جديدا . ويحتمل اللفظ منزعا آخر : إن كنت تريد عجبا فهلم ، فإنّ من أعجب العجب قولهم انتهى . واختلف القراء في الاستفهامين إذا اجتمعا في أحد عشر موضعا ، هنا موضع ، وكذا في المؤمنين ، وفي العنكبوت ، وفي النمل ، وفي السجدة ، وفي الواقعة ، وفي والنازعات ، وفي بني إسرائيل موضعان ، وكذا في والصافات . وقرأ نافع والكسائي بجعل الأول استفهاما ، والثاني خبرا ، إلا في العنكبوت والنمل بعكس نافع . وجمع
هامش
( 1 ) سورة الروم : 30 / 27 .