تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
زوجين ، لم يعلم أنّ المراد النوع أو الشخص ، فلما قال : اثنين علمنا أنه أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد . فالشجر والزرع كبني آدم ، حصل منهم كثرة ، وابتداؤهم من زوجين اثنين بالشخص وهما آدم وحواء . والاستدلال بخلق الثمرات على ما ذكر تعالى من جهة ربو الجنة في الأرض ، وشق أعلاها وأسفلها ، فمن الشق الأعلى الشجرة الصاعدة ، ومن الأسفل العروق الغائصة ، وطبيعة تلك الجنة واحدة ، وتأثيرات الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد . ثم يخرج من الأعلى ما يذهب صعدا في الهواء ، ومن الأسفل ما يغوص في الثرى ، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك بتقدير قادر حكيم . ثم تلك الشجرة يكون بعضها خشبا ، وبعضها لوزا ، وبعضها ثمرا ، ثم تلك الثمرة يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع وذلك بتقدير القادر الحكيم انتهى . وفيه تلخيص . وقيل : تم الكلام عند قوله : ومن كل الثمرات ، فيكون معطوفا على ما قبله من عطف المفردات ، ويتعلق بقوله : وجعل فيها رواسي . فالمعنى : أنه جعل في الأرض من كل ذكر وأنثى اثنين ، وقيل : الزوجان الشمس والقمر ، وقيل : الليل والنهار ، يغشي الليل النهار تقدم تفسير هذه الجملة وقراءاتها في الأعراف . وخص المتفكرين لأنّ ما احتوت عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يدرك إلا بالتفكر .
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
: قطع جمع قطعة وهي الجزء . ومتجاورات متلاصقة متداينة ، قريب بعضها من بعض . قال ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، والضحاك : أرض طيبة وأرض سبخة ، نبتت هذه ، وهذه إلى جنبها لا تنبت . وقال ابن قتيبة وقتادة : يعني القرى المتجاورة . وقيل : متجاورة في المكان ، مختلفة في الصفة ، صلبة إلى رخوة . وسحرا إلى مرد أو مخصبة إلى مجدبة ، وصالحة للزرع لا للشجر ، وعكسها مع انتظام جميعها في الأرضية . وقيل : في الكلام حذف معطوف أي : وغير متجاورات . والمتجاورات المدن وما كان عامرا ، وغير المتجاورات الصحاري وما كان غير عامر . قال ابن عطية : والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو من تربة واحدة ، ونوع واحد . وموضع العبرة في هذا أبين ، لأنها مع اتفاقها في الترب والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سئل عن هذه الآية فقال : « الدقل ، والقارس ، والحلو ، والحامض » وقال ابن عطية : وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض ، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 348 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل