تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وقيل : ليغفر لهم بستره وإمهاله ، فلا يعجل لهم العذاب مع تعجيلهم بالمعصية . قال ابن عطية : والظاهر من معنى المغفرة هنا هو ستره في الدنيا ، وإمهاله للكفرة . ألا ترى التيسير في لفظ مغفرة ، وأنها منكرة مقلدة وليس فيها مبالغة كما في قوله تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ
« 1 » ومحط الآية يعطي هذا حكمه عليهم بالنار . ثم قال : ويستعجلونك ، فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم ، فأخبر بسيرته في الأمم ، وأنه يمهل مع ظلم الكفرة انتهى . ولشديد العقاب : تخويف وارتقاب بعد ترجية . وقال سعيد بن المسيب : لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا عفو اللّه ومغفرته لما هنأ لأحد عيش ، ولولا عقابه لا تكل كل أحد » و في حديث آخر : « إن العبد لو علم قدر عفو اللّه لما أمسك عن ذنب ، ولو علم قدر عقوبته لقمع نفسه في عبادة اللّه عزّ وجل » .
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
: عن ابن عباس : لما نزلت وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده على صدره فقال : « أنا منذر » وأومأ بيده إلى منكب عليّ وقال : « أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدى من بعدي » ، وقال القشيري : نزلت في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعليّ بن أبي طالب ، والذين كفروا مشركو العرب ، أو من أنكر نبوته من مشركيهم والكفار ، ولم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر ، وانقياد الشجر ، وانقلاب العصا سيفا ، ونبع الماء من بين الأصابع ، وأمثال هذه . فاقترحوا عنادا آيات كالمذكورة في سبحان ، وفي الفرقان كالتفجير للينبوع ، والرقي في السماء ، والملك ، والكنز ، فقال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما أنت منذر تخوفهم من سوء العاقبة ، وناصح كغيرك من الرسل ، ليس لك الإتيان بما اقترحوا . إذ قد أتى بآيات عدد الحصا ، والآيات كلها متماثلة في صحة الدعوى ، لا تفاوت فيها . فالاقتراح إنما هو عناد ، ولم يجر اللّه العادة بإظهار الآيات المقترحة إلا للآية التي حتم بعذابها واستئصالها . وهاد : يحتمل أن يكون قد عطف على منذر ، وفصل بينهما بقوله لكل قوم ، وبه قال : عكرمة ، وأبو الضحى . فإن أخذت : ولكل قوم هاد ، على العموم فمعناه : وداع إلى الهدى ، كما قال : « بعثت إلى الأسود والأحمر » فإن أخذت هاد على حقيقته فكل قوم مخصوص أي : ولكل قوم قائلين هاد . وقيل : ولكل أمة سلفت هاد أي : نبي يدعوهم . والقصد : فليس أمرك ببدع ولا منكر ، وبه قال : مجاهد ، وابن زيد ، والزجاج قال : نبي
هامش
( 1 ) سورة طه : 20 / 82 .