تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
استفهام إخبار عن اللّه تعالى . وقيل : يدبر حال من الضمير في وسخر ، ونفصل حال من الضمير في يدبر ، والخطاب في لعلكم للكفرة ، وتوقنون بالجزاء أو بأنّ هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه .
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
: لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية . ومد الأرض : بسطها طولا وعرضا ليمكن التصرف فيها ، والاستقرار عليها . قيل : مدها ودحاها من مكة من تحت البيت ، فذهبت كذا وكذا . وقيل : كانت مجتمعة عند بيت المقدس فقال لها : اذهبي كذا وكذا . قال ابن عطية : وقوله مد الأرض ، يقتضي أنها بسيطة لا كرة ، وهذا هو ظاهر الشريعة . قال أبو عبد اللّه الداراني : ثبت بالدليل أنّ الأرض كرة ، ولا ينافي ذلك قوله : مد الأرض ، وذلك أنّ الأرض جسم عظيم . والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح ، والتفاوت بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم اللّه تعالى . ألا ترى أنه قال :
وَالْجِبالَ أَوْتاداً
« 1 » مع أن العالم والناس يسيرون عليها فكذلك هنا . وأيضا إنما ذكر مد الأرض ليستدل به على وجود الصانع ، وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس ، فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع . فتأويل مد الأرض أنه جعلها بمقدار معين ، وكونها تقبل الزيادة والنقص أمر جائز ممكن في نفسه ، فالاختصاص بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص مخصص ، وتقدير مقدر ، وبهذا يحصل الاستدلال على وجود الصانع انتهى ملخصا . وقال أبو بكر الأصم : المد البسط إلى ما لا يرى منتهاه ، فالمعنى : جعل الأرض حجما يسيرا لا يقع البصر على منتهاه ، فإن الأرض لو كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به انتهى . وهذا الذي ذكره من أنها لو كانت أصغر إلى آخره غير مسلم ، لأن المنتفع به من الأرض المعمور ، والمعمور أقل من غير المعمور بكثير . فلو أراد تعالى أن يجعلها مقدار المعمور المنتفع به لم يكن ذلك ممتنعا ، فتحصل في قوله : مد الأرض ثلاث تأويلات بسطها بعد أن كانت مجتمعة ، واختصاصها بمقدار معين وجعل حجمها كبيرا لا يرى منتهاه . والرواسي الثوابت ، ومنه قول الشاعر :
به خالدات ما يرمن وهامد * وأشعت أرسته الوليدة بالقهر
هامش
( 1 ) سورة النبأ : 78 / 7 .