أنهم عبدوا من لا يستحق العبادة . وفي قوله : من دون اللّه ، دلالة على أنهم كانوا يعبدون الأصنام ولا يعبدون اللّه . قال ابن عباس : يعنون في الآخرة . وقال النضر بن الحرث : إذا كان يوم القيامة شفعت في اللات والعزى . وقال الحسن : شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا لأنهم لا يقرون بالبعث . وأتنبئون استفهام على سبيل التهكم بما ادّعوه من المحال الذي هو شفاعة الأصنام ، وإعلام بأنّ الذي أنبئوا به باطل غير منطو تحت الصحة ، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه ، وما موصولة بمعنى الذي .
قال الزمخشري : بكونهم شفعاء عنده ، وهو إنباء ما ليس بمعلوم للّه تعالى ، وإذا لم يكن معلوما له وهو العالم الذات المحيط بجميع المعلومات لم يكن شيئا لأنّ الشيء ما يعلم ويخبر عنه فكان خبرا ليس له مخبر عنه انتهى . فتكون ما واقعة على الشفاعة ، والفاعل بيعلم هو اللّه ، والمفعول الضمير المحذوف العائد على ما . وقوله : في السماوات ولا في الأرض تأكيد لنفيه ، لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم قاله الزمخشري . وفي التحرير : أتنبئون ، معناه التهكم والتقريع والتوبيخ والإنكار ، والمعنى على هذا : أتخبرون اللّه بما يعلم خلافه في السماوات والأرض ، فإن صفات الذات لا يجري فيها النفي . وقيل :
أتخبرون اللّه بما لا يعلمه موجودا في السماوات والأرض ، فكيف يصح وجود ما لا يعلمه اللّه ، وهو كما يقال للرجل : قد قلت كذا ، فيقول : ما علم اللّه هذا مني ، أي ما كان هذا قط ، إذ لو كان لعلمه اللّه انتهى .
والذي يظهر أنّ ما موصول يراد به الأصنام لا الشفاعة التي ادعوها ، والفاعل بيعلم ضمير يعود على ما لا على اللّه ، وذلك على حذف مضاف والمعنى : قل أتعلمون اللّه بشفاعة الأصنام التي انتفي علمها في السماوات والأرض أي : ليست متصفة بعلم البتة ، فيكون ذلك ردا عليهم في دعواهم أنها تشفع عند اللّه ، لأنّ من كان منتفيا عنه العلم فكيف يشفع وهو لا يعلم من يشفع فيه ، ولا ما يشفع فيه ، ولا من تشفع عنده ؟ كما رد عليهم في العبادة بقوله : ما لا يضرهم ولا ينفعهم ، فانتفاء الضر والنفع قادح في العبادة ، وانتفاء العلم قادح في الشفاعة ، فتبطل العبادة ودعوى الشفاعة ، ويكون قوله : في السماوات والأرض على هذا تنبيها على محال المعبودات المدعى شفاعتهم ، إذ من المعبودات السماوية الكواكب كالشمس والشعرى . وقرئ : أتنبئون بالتخفيف من أنبأ . ولما ذكر تعالى عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ، وكان ذلك إشراكا ، استأنف تنزيها بقوله سبحانه وتعالى . وما يحتمل أن
البحر المحيط في التفسير — صفحة 27
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٧