تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
مستحيلا ذلك في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل له : قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي . وانتفاء الكون هنا هو كقوله تعالى :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
« 1 » أي يستحيل ذلك . ويحتمل أن يكون التبديل في الذات على أن يلحظ في قوله : ائت بقرآن غير هذا ، إبقاء هذا القرآن ويؤتى بقرآن غيره ، فيكون أو بدله بمعنى أزله بالكلية وائت ببدله ، فيكون المطلوب أحد أمرين : إما إزالته بالكلية وهو التبديل في الذات ، أو الإتيان بغيره مع بقائه فيحصل التغاير بين المطلوبين . وتلقاء مصدر كالبنيان ، ولم يجيء مصدر على تفعال غيرهما ، ويستعمل ظرفا للمقابلة تقول : زيد تلقاءك . وقرئ بفتح التاء ، وهو قياس المصادر التي للمبالغة كالتطواف والتجوال والترداد والمعنى : من قبل نفسي أن أتبع فيما آمركم به وما أنهاكم عنه من غير زيادة ولا نقصان ، ولا تبديل إلا ما يجيئني خبره من السماء . واستدل بقوله : إن أتبع إلا ما يوحى إليّ على نفي الحكم بالاجتهاد ، وعلى نفي القياس ، وإنما قالوا : ائت بقرآن غير هذا أو بدله ، لأنهم كانوا لا يعترفون بأنّ القرآن معجز ، أو إن كانوا عاجزين عن الإتيان بمثله . ألا ترى إلى قولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا وقولهم :
افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً *
« 2 » ولا يمكن أن يريدوا ائت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي لقوله : إني أخاف . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : فما كان غرضهم وهم أدهى الناس وأمكرهم في هذا الاقتراح ؟ ( قلت ) : المكر والكيد . أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن ففيه إنه من عندك ، وإنك لقادر على مثله ، فأبدل مكانه آخر . وأما اقتراح التبديل والتغيير فللطمع ولاختبار الحال ، وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه اللّه فننجو منه ، أو لا يهلكه فيسخروا منه ، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحا لافترائه على اللّه تعالى انتهى . وإن عصيت بالتبديل من تلقاء نفسي ، وتقدم اتباع الوحي ، وتركي العمل به ، وهو شرط جوابه محذوف دل عليه ما قبله . واليوم العظيم : هو يوم القيامة ، ووصف بالعظم لطوله ، أو لكثرة شدائده ، أو للمجموع . وانظر إلى حسن هذا الجواب لما كان أحد المطلوبين التبديل بدأ به في الجواب ، ثم أتبع بأمر عام يشمل انتفاء التبديل وغيره ، ثم أتى بالسبب الحامل على ذلك وهو الخوف ، وعلقه بمطلق العصيان ، فبأدنى عصيان ترتب الخوف .
قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
هامش
( 1 ) سورة النمل : 27 / 60 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 21 - 93 - 144 . والأعراف : 7 / 7 .