تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
الاختلاف ، هو الوجه والاختلاف بسبب الكفر ، هو المقتضى للوعيد ، لا الاختلاف الذي هو بسبب الإيمان ، إذ لا يصلح أن يكون سببا للوعيد ، وقد تقدم الكلام على نحو هذا في البقرة في قوله :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
« 1 » ولكن أعدنا الكلام فيه لبعده . والكلمة هنا هو القضاء ، والتقدير : لبني آدم بالآجال المؤقتة . قال ابن عطية : ويحتمل أن يريد الكلمة في أمر القيامة ، وأنّ العقاب والثواب إنما يكون حينئذ . وقال الزمخشري : هو تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة يقضي بينهم عاجلا فيما اختلفوا فيه ، وتمييز المحق من المبطل . وسبقت كلمة اللّه بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف ، وتلك دار ثواب وعقاب . وقال الكلبي : الكلمة أنّ اللّه أخبر هذه الأمة لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا إلى يوم القيامة ، فلو لا هذا التأخير لقضى بينهم بنزول العذاب ، أو بإقامة الساعة . وقيل : الكلمة السابقة أن لا يأخذ أحدا إلا بحجة وهو إرسال الرسل . وقيل : الكلمة قوله : سبقت رحمتي غضبي « 2 » ولولا ذلك ما أخر العصاة إلى التوبة .
وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
: هذا من اقتراحهم . قال الزمخشري : وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها ، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات ، دقيقة المسلك من بين المعجزات . وجعلوا نزولها كلا نزول ، فكأنه لم ينزل عليه قط حتى قالوا : لولا أنزل عليه آية واحدة من ربه ، وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرد وانهماكهم في الغي فقل : إنما الغيب للّه أي : هو المختص بعلم الغيب المستأثر به ، لا علم لي ولا لأحد به . يعني : أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو سبحانه ، فانتظروا نزول ما اقترحتموه إني معكم من المنتظرين بما يفعل اللّه تعالى بكم لعنادكم وجحدكم الآيات . وقال ابن عطية : آية من ربه ، آية تضطر الناس إلى الإيمان ، وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط ، ولا من المعجزات اضطرارية ، وإنما هي معرضة النظر ليهتدي قوم ويضل آخرون ، فقل : إنما الغيب للّه إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، لا يطلع على غيبه في ذلك أحد . وقوله : فانتظروا ، وعيد وقد صدقه اللّه تعالى بنصرته محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : الآية التي اقترحوا أن
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 213 . ( 2 ) سورة الإسراء : 17 / 90 .