تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
ينزل ما تضمنه قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا
« 1 » الآية وقيل : آية كآية موسى وعيسى كالعصا واليد البيضاء ، وإحياء الموتى ، طلبوا ذلك على سبيل التعنت .
وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ
: لما ذكر تعالى قوله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ
« 2 » . الآية ثم ذكر قوله : وقالوا لولا انزل عليه آية « 3 » وذلك على سبيل التعنت أخبر أنّ هؤلاء إنما يصيرون لهذه المقالات عندما يكونون في رخاء من العيش وخلو بال ، وأنّ إحسان اللّه تعالى قابلوه بما لا يجوز من ابتغاء المكر لآياته ، وكان خليقا بهم أن يكونوا أول من صدق بآياته . وإعراضهم عن الآيات نظير قوله :
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ
« 4 » . وسبب نزولها أنه لما دعا على أهل مكة الرسول بالجدب قحطوا سبع سنين ، فأتاه أبو سفيان فقال : ادع لنا بالخصب ، فإنّ أخصبنا صدقنا ، فسأل اللّه لهم فسقوا ولم يؤمنوا ، وهذه وإن كانت في الكفار فهي تتناول من العاصين من لا يؤدّي شكر اللّه عند زوال المكروه عنه ، ولا يرتدع بذلك عن معاصيه ، وذلك في الناس كثير . تجد الإنسان يعقد عند مس الضر التوبة والتنصل من سائر المعاصي ، فإذا زال عنه رجع إلى أقبح عاداته . والرحمة هنا الغيث بعد القحط ، والأمن بعد الخوف ، والصحة بعد المرض ، والغنى بعد الفقر ، وما أشبه ذلك . ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم ، ومعنى مكر في آياتنا التكذيب بالقرآن ، والشك فيه قاله جماعة . وقال مجاهد ومقاتل : الاستهزاء والتكذيب . وقال أبو عبيدة : الرد والجحود . وحكى الماوردي النفاق لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، وهو شبيه بما قال الزمخشري : إنّ المكر أخفى الكيد . وقال ابن عطية : والمكر الاستهزاء والطعن عليها من الكفار ، واطراح الشكر والخوف من العصاة انتهى . والإذاقة والمس هنا مجازان ، وفي هذه الجملة دليل على سرعة تقلب ابن آدم من حالة الخير إلى حالة الشر ، وذلك بلفظ أذقنا ، كأنه قيل : أول ذوقه الرحمة قبل أن يداوم استطعامها مكروه بلفظ من المشعرة بابتداء الغاية أي : ينشئ المكر إثر كشف الضراء لا يمهل ذلك . وبلفظ إذا الفجائية الواقعة جوابا لإذا الشرطية ، أي في وقت إذاقة الرحمة
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 90 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 15 . ( 3 ) سورة يونس : 10 / 20 . ويقولون . وفي الأنعام : 6 / 37 . وقالوا : لولا نزل عليه آية . وفي الرعد : 13 / 7 . ويقول : لولا أنزل عليه آية . ( 4 ) سورة يونس : 10 / 12 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 30 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل