تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وقرأ عيسى بن عمر الثقفي : نصحي بفتح النون ، وهو مصدر . وقراءة الجماعة بضمها ، فاحتمل أن يكون مصدرا كالشكر ، واحتمل أن يكون اسما . وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله : ولا ينفعكم نصحي ، وهو دليل على جواب الشرط تقديره : إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي ، والشرط الثاني : اعتقب الشرط الأول وجوابه أيضا ما دل عليه قوله : ولا ينفعكم نصحي ، تقديره : إن كان اللّه يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي . وصار الشرط الثاني شرطا في الأول ، وصار المتقدم متأخرا ، والمتأخر متقدّما ، وكأن التركيب إن أردت أن أنصح لكم أن كان اللّه يريد أن يغويكم ، فلا ينفعكم نصحي ، وهو من حيث المعنى كالشرط إذا كان بالفاء نحو : إن كان اللّه يريد أن يغويكم . فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي . ونظيره :
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها
« 1 » وقال الزمخشري : قوله إن كان اللّه يريد أن يغويكم جزاؤه ما دل عليه قوله : لا ينفعكم نصحي ، وهذا الدليل في حكم ما دل عليه ، فوصل بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قوله : إن أحسنت إليّ أحسنت إليك إن أمكنني . وقال ابن عطية : وليس نصحي لكم بنافع ، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان اللّه تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك . والشرط الثاني اعتراض بين الكلام ، وفيه بلاغة من اقتران الإرادتين ، وأنّ إرادة البشر غير مغنية ، وتعلق هذا الشرط هو بنصحي ، وتعلق الآخر هو بلا ينفع انتهى . وكذا قال أبو الفرج بن الجوزي قال : جواب الأول النصح ، وجواب الثاني النفع . والظاهر أنّ معنى يغويكم يضلكم من قوله : غوى الرجل يغوي وهو الضلال . وفيه إسناد الإغواء إلى اللّه ، فهو حجة على المعتزلة إذ يقولون : إن الضلال هو من العبد . وقال الزمخشري : إذا عرف اللّه من الكافر الإصرار فخلاه وشأنه ولم يلجئه سمى ذلك إغواء وإملاء ، كما إنه إذا عرف منه أن يتوب ويرعوي فلطف به سمى إرشادا وهداية انتهى . وهو على طريقة الاعتزال ، ونصوا على أنه لا يوصف اللّه بأنه عارف ، فلا ينبغي أن يقال : إذا عرف اللّه كما قال الزمخشري ، وللمعتزلي أن يقول : لا يتعين أن تكون إن شرطية ، بل هي نافية والمعنى : ما كان اللّه يريد أن يغويكم ، ففي ذلك دليل على نفي الإضلال عن اللّه تعالى ، ويكون قوله : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ، إخبار منه لهم وتعزية لنفسه
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 50 .