تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
ويا قوم استدراجا لهم في قبول كلامه ، كما تلطف إبراهيم عليه السلام بقوله :
« يا أَبَتِ *
يا أَبَتِ » *
« 1 » وكما تلطف مؤمن آل فرعون بقوله : « يا قوم يا قوم » والضمير في عليه عائد إلى الإنذار . وإفراد اللّه بالعبادة المفهوم من قوله لهم :
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
« 2 » ، وقيل : على الدين ، وقيل : على الدعاء إلى التوحيد ، وقيل : على تبليغ الرسالة . وكلها أقوال متقاربة ، والمعنى : إنكم وهؤلاء الذين اتبعونا سواء في أنّ أدعوكم إلى اللّه ، وإني لا أبتغي عما ألقيه إليكم من شرائع اللّه مالا ، فلا يتفاوت حالكم وحالهم . وأيضا فلعلهم ظنوا أنه يريد الاسترفاد منهم ، فنفاه بقوله : لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلّا على اللّه ، فلا تحرموا أنفسكم السعادة الأبدية بتوهم فاسد . ثم ذكر أنه قام بهؤلاء وصف يجب العكوف عليهم به والانضواء معهم ، وهو الإيمان فلا يمكن طردهم ، وكانوا سألوا منه طرد هؤلاء المؤمنين رفعا لأنفسهم من مساواة أولئك الفقراء . ونظير هذا ما اقترحت قريش على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من طرد أتباعه الذين لم يكونوا من قريش . وقرئ : بطارد بالتنوين ، قال الزمخشري : على الأصل يعني : أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أصله أن يعمل ولا يضاف ، وهذا ظاهر كلام سيبويه . ويمكن أن يقال : إن الأصل الإضافة لا العمل ، لأنه قد اعتوره شبهان : أحدهما : شبه بالمضارع وهو شبهه بغير جنسه . والآخر : شبه بالأسماء إذا كانت فيها الإضافة ، فكان إلحاقه بجنسه أولى من إلحاقه بغير جنسه . إنهم ملاقوا ربهم : ظاهره التعليل لانتفاء طردهم ، أي : إنهم يلاقون اللّه ، أي : جزاءه ، فيوصلهم إلى حقهم عندي إن ظلمتهم بالطرد . وقال الزمخشري : معناه أنهم يلاقون اللّه فيعاقب من طردهم ، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي منهم ، وما أعرف غيره منهم ، أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بناء إيمانهم على بادي الرأي من غير نظر ولا تفكر ، وما عليّ أن أشق على قلوبهم وأتعرف ذلك منهم حتى أطردهم ونحوه
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
« 3 » الآية أو هم مصدّقون بلقاء ربهم ، موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة انتهى . ووصفهم بالجهل لكونهم بنوا أمرهم على الجهل بالعواقب ، والاغترار بالظواهر . أو لأنهم يتسافلون على المؤمنين ويدعونهم أراذل من قوله : ألا لا يجهلن أحد علينا . أو تجهلون لقاء ربكم ، أو تجهلون أنهم خير منكم ، أو وصفهم بالجهل في هذا الاقتراح ، وهو طرد المؤمنين ونحوه . من
هامش
( 1 ) سورة مريم : 19 / 42 ، 43 ، 44 ، 45 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 2 ، 26 . ( 3 ) سورة الأنعام : 6 / 52 .