تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ . حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
: ويصنع الفلك حكاية حال ماضية ، والفلك السفينة . و لما أمره تعالى بأن يصنع الفلك قال : يا رب ما أنا بنجار ، قال : بلى ، ذلك بعيني . فأخذ القدوم ، وجعلت يده لا تخطئ ، فكانوا يمرون به ويقولون : هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجارا ؟ وقيل : كانت الملائكة تعلمه ، واستأجر أجراء كانوا ينحتون معه ، وأوحى اللّه إليه أن عجل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني ، وكان سام وحام ويافث ينحتون معه ، والخشب من الساج قاله : قتادة ، وعكرمة ، والكلبي . قيل : وغرسه عشرين سنة . وقيل : ثلاثمائة سنة يغرس ويقطع وييبس . وقال عمرو بن الحرث : لم يغرسها بل قطعها من جبل لبنان . وقال ابن عباس : من خشب الشمشار ، وهو البقص قطعة من جبل لبنان . واختلفوا في هيئتها من التربيع والطول ، وفي مقدار مدة عملها ، وفي المكان الذي عملت فيه ، ومقدار طولها وعرضها ، على أقوال متعارضة لم يصح منها شيء . وسخريتهم منه لكونهم رأوه يبني السفينة ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت ، قالوا : يا نوح ما تصنع ؟ قال : ابني بيتا يمشي على الماء ، فعجبوا من قوله وسخروا منه قاله : مقاتل . وقيل : لكونه يبني في قرية لا قرب لها من البحر ، فكانوا يتضاحكون ويقولون : يا نوح صرت نجارا بعد ما كنت نبيا . وكلما ظرف العامل فيه سخروا منه ، وقال : مستأنف على تقدير سؤال سائل . وجوزوا أن يكون العامل قال : وسخروا صفة لملا ، أو بدل من مرّ ، ويبعد البدل لأنّ سخر ليس في معنى مرّ لا يراد ذا ولا نوعا منه . قال ابن عطية : وسخروا منه استجهلوه ، فإن كان الأمر كما روي أنهم لم يكونوا رأوا سفينة قط ، ولا كانت ، فوجه الاستجهال واضح ، وبذلك تظاهرت التفاسير ، وإن كانت السفائن حينئذ معروفة فاستجهلوه في أنّ صنعها في قرية لا قرب لها من البحر انتهى . فإنا نسخر منكم في المستقبل كما تسخرون منا الآن أي : مثل سخريتكم إذا أغرقتم في الدنيا ، وأحرقتم في الآخرة ، أو إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعريض لسخط اللّه وعذابه ، فأنتم أولى بالاستجهال منا قال : قريبا من معناه الزجاج . أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم ، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر ، وبناء على ظاهر الحال ، كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق . وقال ابن جريج : إن يسخروا منا في الدنيا فإنا نسخر منكم في الآخرة . والسخرية استجهال مع استهزاء . وفي قوله : فسوف تعلمون ، تهديد بالغ ، والعذاب