تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
وقال بعضهم : ائذن لنا في الإقامة ، فأذن لهم استبقاء منه عليهم ، وأخذا بالأسهل من الأمور ، وتوكلا على اللّه . قال مجاهد : قال بعضهم : نستأذنه ، فإن أذن في القعود قعدنا ، وإن لم يأذن قعدنا ، فنزلت الآية في ذلك انتهى . وقال أبو عبد اللّه إبراهيم بن عرفة النجوى الداودي المنبوذ بنفطويه : ذهب ناس إلى أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم معاتب بهذه الآية ، وحاشاه من ذلك ، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي كما قال : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة » لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل . وقد قال اللّه تعالى :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ
« 1 » لأنه كان له أن يفعل ما يشاء مما لم ينزل عليه فيه وحي . واستأذنه المخلفون في التخلف واعتذروا ، اختار أيسر الأمرين تكرما وتفضلا منه صلى اللّه عليه وسلم ، فأبان اللّه تعالى أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا للنفاق الذي في قلوبهم ، وأنهم كاذبون في إظهار الطاعة والمشاورة ، فعفا اللّه عنك عنده افتتاح كلام أعلمه اللّه به ، أنه لا حرج عليه فيما فعله من الإذن ، وليس هو عفوا عن ذنب ، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه ترك الإذن لهم كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل والرقيق » وما وجبتا قط ومعناه : ترك أن يلزمكم ذلك انتهى . ووافقه عليه قوم فقالوا : ذكر العفو هنا لم يكن عن تقدم ذنب ، وإنما هو استفتاح كلام جرت عادة العربان تخاطب بمثله لمن تعظمه وترفع من قدره ، يقصدون بذلك الدعاء له فيقولون : أصلح اللّه الأمير كان كذا وكذا ، فعلى هذا صيغته صيغة الخبر ، ومعناه الدعاء انتهى . ولم ولهم متعلقان بأذنت ، لكنه اختلف مدلول اللامين ، إذ لام لم للتعليل ، ولام لهم للتبليغ ، فجاز ذلك لاختلاف معنييهما . ومتعلق الإذن غير مذكور ، فما قدمناه يدل على أنه القعود أي : لم أذنت لهم في القعود والتخلف عن الغزو حتى تعرف ذوي العذر في التخلف ممن لا عذر له . وقيل : متعلق الإذن هو الخروج معه للغزو ، لما ترتب على خروجهم من المفاسد ، لأنهم كانوا عينا للكفار على المسلمين . ويدل عليه قوله :
وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ
« 2 » وكانوا يخذلون المؤمنين ويتمنون أن تكون الدائرة عليهم فقيل : لم أذنت لهم في إخراجهم وهم على هذه الحالة السيئة ؟ وبيّن أنّ خروجهم معه ليس مصلحة بقوله :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
« 3 » . وحتى غاية لما تضمنه الاستفهام أي : ما كان أن تأذن لهم حتى يتبين من له العذر ، هكذا قدره الحوفي . وقال أبو البقاء : حتى يتبين
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 33 / 51 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 47 . ( 3 ) سورة التوبة : 9 / 47 .