تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال ، وسفرا قاصدا وسطا مقاربا . وهذه الآية في قصة تبوك حين استنفر المؤمنين فنفروا ، واعتذر منهم فريق لأصحابه ، لا سيما من القبائل المجاورة للمدينة . وليس قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ
« 1 » خطابا للمنافقين خاصة ، بل هو عام . واعتذر المنافقون بأعذار كاذبة ، فابتدأ تعالى بذكر المنافقين وكشف ضمائرهم . لا تبعوك : لبادروا إليه ، لا لوجه اللّه ، ولا لظهور كلمته ، ولكن بعدت عليهم الشقة أي : المسافة الطويلة في غزو الرّوم . والشّقة بالضم من الثياب ، والشقة أيضا السفر البعيد ، وربما قالوه بالكسر قاله : الجوهري . وقال الزجاج : الشقة الغاية التي تقصد . وقال ابن عيسى : الشقة القطعة من الأرض يشق ركوبها . وقال ابن فارس : الشقة المسير إلى أرض بعيدة ، واشتقاقها من الشق ، أو من المشقة . وقرأ عيسى بن عمر : بعدت عليهم الشّقة بكسر العين والشين ، وافقه الأعرج في بعدت . وقال أبو حاتم : إنها لغة بني تميم في اللفظين انتهى . وحكى الكسائي : شقة وشقة . وسيحلفون : أي المنافقون ، وهذا إخبار بغيب . قال الزمخشري في قوله : وسيحلفون باللّه ، ما نصه باللّه متعلق بسيحلفون ، أو هو من كلامهم . والقول مراد في الوجهين أي : سيحلفون متخلصين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين ، يقولون باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم ، أو وسيحلفون باللّه يقولون لو استطعنا . وقوله : لخرجنا سدّ مسدّ جواب القسم . ولو جميعا والإخبار بما سوف يكون بعد القول من حلفهم واعتذارهم ، وقد كان من جملة المعجزات . ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة ، واستطاعة الأبدان ، كأنهم تمارضوا انتهى . وما ذهب إليه من أنّ قوله : لخرجنا ، سدّ مسدّ جواب القسم . ولو جميعا ليس بجيد ، بل للنحويين في هذا مذهبان : أحدهما : إن لخرجنا هو جواب القسم ، وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم على الشرط ، وهذا اختيار أبي الحسن بن عصفور . والآخران لخرجنا هو جواب لو ، وجواب القسم هو لو وجوابها ، وهذا اختيار ابن مالك . إن لخرجنا يسد مسدهما ، فلا أعلم أحدا ذهب إلى ذلك . ويحتمل أن يتأوّل كلامه على أنه لما حذف جواب لو ، ودل عليه جواب القسم جعل ، كأنه سدّ مسدّ جواب القسم وجواب لو جميعا . وقرأ الأعمش وزيد بن علي : لو استطعنا بضم الواو ، فرّ من ثقل الكسرة على الواو وشبهها بواو الجمع عند تحريكها لالتقاء الساكنين . وقرأ الحسن : بفتحها كما جاء :
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 38 .