تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
تحصيل العدّة والأهبة . وروى الضحاك عن ابن عباس : العدّة النية الخالصة في الجهاد . وحكى الطبري : كل ما يعد للقتال من الزاد والسلاح . وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية : عدّ بضم العين من غير تاء ، والفراء يقول : تسقط التاء للإضافة ، وجعل من ذلك وإقام الصلاة أي وإقامة الصلاة . وورد ذلك في عدة أبيات من لسان العرب ، ولكن لا يقيس ذلك ، إنما نقف فيه مع مورد السماع . قال صاحب اللوامح : لما أضاف جعل الكناية تائبة عن التاء فأسقطها ، وذلك لأنّ العد بغير تاء ، ولا تقديرها هو البثر الذي يخرج في الوجه . وقال أبو حاتم : هو جمع عدة كبرة وبر ودرة ودر ، والوجه فيه عدد ، ولكن لا يوافق خط المصحف . وقرأ ذر بن حبيش وأبان عن عاصم : عده بكسر العين ، وهاء إضمار . قال ابن عطية : وهو عندي اسم لما يعد كالذبح والقتل للعد ، وسمي قتلا إذ حقه أن يقتل . وقرئ أيضا : عدة بكسر العين ، وبالتاء دون إضافة أي : عدة من الزاد والسلاح ، أو مما لهم مأخوذ من العدد . ولما تضمنت الجملة انتفاء الخروج والاستعداد ، وجاء بعدها ولكن ، وكانت لا تقع إلا بين نقيضين أو ضدين أو خلافين على خلاف فيه ، لا بين متفقين ، وكان ظاهر ما بعد لكن موافقا لما قبلها . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف موقع حرف الاستدراك ؟ ( قلت ) : لما كان قوله : ولو أرادوا الخروج معطيا معنى نفي خروجهم واستعدادهم للغزو . قيل : ولكن كره اللّه انبعاثهم ، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم ، كما تقول : ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ انتهى . وليست الآية نظير هذا المثال ، لأنّ المثال واقع فيه لكن بين ضدين ، والآية واقع فيها لكن بين متفقين من جهة المعنى ، والانبعاث الانطلاق والنهوض . قال ابن عباس : فثبطهم كسلهم وفتر نياتهم . وبنى وقيل للمفعول ، فاحتمل أن يكون القول : أذن الرسول لهم في القعود ، أو قول بعضهم لبعض إما لفظا وإما معنى ، أو حكاية عن قول اللّه في سابق قضائه . وقال الزمخشري : جعل إلقاء اللّه تعالى في قلوبهم كراهة الخروج أمرا بالقعود . وقيل : هو من قول الشيطان بالوسوسة . قال : ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يوقع اللّه تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي قبيحة ، وتعالى اللّه عن إلهام القبيح . ( قلت ) : خروجهم كان مفسدة لقوله تعالى :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا
« 1 » فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسنا ومصلحة انتهى . وهذا
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 9 / 47 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 428 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل