تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
الملك على سبيل الاستحقاق من يقوم به ، ولا تنزعه إلّا ممن فسق ، يدل عليه
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
« 1 »
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ
« 2 » جعل الاصطفاء سببا للملك ، فلا يجوز أن يكون ملك الظالمين بإيتائه وقد يكون : وقد ألزمهم أن لا يتملكوه ، فصح أن الملوك العادلين هم المخصوصون بايتاء اللّه الملك ، وأما الظالمون فلا . أما النزع فبخلافه ، فكما ينزعه من العادل لمصلحة ، فقد ينزعه من الظالم . وقال القاضي عبد الجبار : الإعزاز المضاف إليه تعالى يكون في الدين بالإمداد بالألطاف ومدحهم وتغلبهم على الأعداء ، ويكون في الدنيا بالمال وإعطاء الهيبة . وأشرف أنواع العزة في الدين هو الإيمان ، وأذل الأشياء الموجبة للذلة هو الكفر ، فلو كان حصول الإيمان والكفر من العبد لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من إعزاز اللّه إياه وإذلاله ، ولو كان كذلك كان حظه من هذا الوصف أتم من حظه سبحانه ، وهو باطل قطعا . وقال الجبائي : يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ، ولا يذل أولياءه وان أفقرهم وأمرضهم وأخافهم وأحوجهم إلى غير ذلك ، لأن ذلك لعزهم في الآخرة بالثواب أو العوض فصار كالفصد يؤلم في الحال ويعقب نفعا . قال : ووصف الفقر بكونه ذلا مجازا ، كقوله
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
« 3 » وإذلال اللّه المبطل بوجوه بالذم واللعن ، وخذلانهم بالحجة والنصرة ، وبجعلهم لأهل دينه غنيمة ، وبعقوبتهم في الآخرة .
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
أي : بقدرتك وتصديقك وقع الخير ، ويستحيل وجود اليد بمعنى الجارحة للّه تعالى . قيل : المعنى : والشر ، نحو : تقيكم الحرّ ، أي والبرد . وحذف المعطوف جائز لفهم المعنى ، إذ أحد الضدين يفهم منه الآخر ، وهو تعالى قد ذكر إيتاء الملك ونزعه ، والإعزاز والإذلال ، وذلك خير لناس وشر لآخرين ، فلذلك كان التقدير : بيدك الخير والشر ، ثم ختمها بقوله
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فجاء بهذا العام المندرج تحته الأوصاف السابقة ، وجمع الخيور والشرور ، وفي الاقتصار على ذكر الخير تعليم لنا كيف نمدح بأن نذكر أفضل الخصال .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 124 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 247 . ( 3 ) سورة المائدة : 5 / 54 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 87 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل