والحسن : هو قولهم : نحن أبناء اللّه وأحباؤه
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
« 1 »
كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
« 2 » وفي الآية دلالة على الغض ممن يزكي نفسه بلسانه ويصفها بزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللّه .
وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه إني لأمين في السماء ، أمين في الأرض »
حين قال له المنافقون : اعدل في القسمة ، إكذاب لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه ، وشتان من شهد اللّه له بالتزكية ، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم . قاله الزمخشري وفيه بعض تلخيص .
قال الراغب ما ملخصه : التزكية ضربان : بالفعل ، وهو أن يتحرى فعل ما يظهره وبالقول ، وهو الإخبار عنه بذلك ومدحه به . وحظر أن يزكي الإنسان نفسه ، بل أن يزكي غيره ، إلا على وجه مخصوص . فالتزكية إخبار بما ينطوي عليه الإنسان ، ولا يعلم ذلك إلا اللّه تعالى .
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
بل : إضراب عن تزكيتهم أنفسهم ، إذ ليسوا أهلا لذلك .
واعلم أنّ المزكي هو اللّه تعالى ، وأنه تعالى هو المعتد بتزكيته ، إذ هو العالم ببواطن الأشياء والمطلع على خفياتها . ومعنى يزكي من يشاء أي : من يشاء تزكيته بأن جعله طاهرا مطهرا ، فذلك هو الذي يصفه اللّه تعالى بأنه مزكي .
وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
إشارة إلى أقلّ شيء كقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
« 3 » فإذا كان تعالى لا يظلم مقدار فتيل ، فكيف يظلم ما هو أكبر منه ؟ وجوزوا أن يعود الضمير في : ولا يظلمون ، إلى الذين يزكون أنفسهم ، وأن يعود إلى من على المعنى ، إذ لو عاد على اللفظ لكان : ولا يظلم وهو أظهر ، لأنه أقرب مذكور ، ولقطع بل ما بعدها عن ما قبلها . وقيل : يعود على المذكورين من زكى نفسه ، ومن يزكيه اللّه . ولم يذكر ابن عطية غير هذا القول .
وقال الزمخشري : ولا يظلمون أي ، الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم ، أو من يشاء يثابون ولا ينقصون من ثوابهم ونحوه ، فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى انتهى . وقرأ الجمهور : ألم تر بفتح الراء . وقرأ السلمي : بسكونها إجراء للوصل مجرى الوقف . وقيل : هي لغة قوم لا يكتفون بالجزم بحذف لام الفعل ، بل
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 111 .
( 2 ) سورة البقرة : 2 / 135 .
( 3 ) سورة النساء : 4 / 40 .