تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 671

مساهمون:

ص٦٧١
علم أصول الدين . وقد رامت المعتزلة والمرجئة ردّ هذه الآية إلى مقالاتهما بتأويلات لا تصح ، وهي منافية لما دلت عليه الآية . قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : قد ثبت أن اللّه عزّ وعلا يغفر الشرك لمن تاب منه ، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة ، فما وجه قوله : إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ؟ ( قلت ) : الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله : لمن يشاء كأنه قيل : إنّ اللّه لا يغفر لمن يشاء الشرك ، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك . على أن المراد بالأول من لم يتب ، وبالثاني من تاب . ونظيره قولك : إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يستأهله انتهى كلامه . فتأول الآية على مذهبه . وقوله : قد ثبت أن اللّه عزّ وعلا يغفر الشرك لمن تاب عنه ، هذا مجمع عليه . وقوله : وإنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة . فنقول له : وأين ثبت هذا ؟ وإنما يستدلون بعمومات تحتمل التخصيص ، كاستدلالهم بقوله :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
« 1 » الآية ، وقد خصصها ابن عباس بالمستحل ذلك وهو كافر . وقوله : قال : فجزاؤه إن جازاه اللّه . وقال : الخلود يراد به المكث الطويل لا الديمومة لا إلى نهاية ، وكلام العرب شاهد بذلك . وقوله : إن الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله : لمن يشاء ، إن عنى أنّ الجار يتعلق بالفعلين ، فلا يصح ذلك . وإن عنى أن يقيد الأول بالمشيئة كما قيد الثاني فهو تأويل . والذي يفهم من كلامه أنّ الضمير الفاعل في قوله : يشاء عائد على من ، لا على اللّه . لأن المعنى عنده : أنّ اللّه لا يغفر الشرك لمن يشاء أن لا يغفر له بكونه مات على الشرك غير تائب منه ، ويغفر ما دون الشرك من الكبائر لمن يشاء أن يغفر له بكونه تاب منها . والذي يدل عليه ظاهر الكلام أنه لا قيد في الفعل الأول بالمشيئة ، وإن كانت جميع الكائنات متوقفا وجودها على مشيئته على مذهبنا . وأنّ الفاعل في يشاء هو عائد على اللّه تعالى ، لا على من ، والمعنى : ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له . وفي قوله تعالى : لمن يشاء ، ترجئة عظيمة بكون من مات على ذنب غير الشرك لانقطع عليه بالعذاب ، وإن مات مصرّا . قال عبد اللّه بن عمر : كنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا له أنه من أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية ، فأمسكنا عن الشهادات . وفي حديث عبادة بن الصامت في آخره « ومن أصاب شيئا من ذلك أي - من المعاصي التي تقدّم ذكرها - فستره
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 93 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 671 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل