تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
أبى الذمّ أخلاق الكسائي وانتحى * به المجد أخلاق الأبوّ السوابق
يريد الأبوة . جمع أب ، كما أن العمومة جمع عم ، والبنوّة جمع ابن . وقد قالوا : ابن وبنوّ انتهى . وقوله : وهذا الحذف كثير في كلامهم ليس كما ذكر ، بل لا يوجد مثل رام ورمى ، ولا حام وحمى ، يريد : رماة وحماة . وإن أراد حذف التاء من حيث الجملة كثير في كلامهم فالمدعي إنما هو الحذف من فعله ، ولا نقول أنّ الحذف - أعني حذف التاء - كثير في كلامهم ، لأنه يشعر أن بناء الجمع جاء عليها ، ثم حذفت كثيرا وليس كذلك ، بل الجمع جاء على فعول نحو : عم وعموم ، وفحل وفحول ، ثم جيء بالتاء لتأكيد معنى الجمع ، فلا نقول في عموم : أنه حذفت منه التاء كثيرا لأن الجمع لم يبن عليها ، بخلاف قضاة ورماة فإن الجمع بني عليها . وإنما تكلف النحويون لدخولها فيما كان لا ينبغي أن تدخل فيه ، إنّ ذلك على سبيل تأكيد الجمع ، لمّا رأوا زائدا لا معنى له ذكروا أنّه جاء بمعنى التوكيد ، كالزوائد التي لا يفهم لها معنى غير التأكيد . وأمّا البيت فالذي يقوله النحويون فيه : أنه مما شذ جمعه ولم يعل ، فيقال فيه : أبي كما قالوا : عصى في عصا ، وهو عندهم جمع على فعول ، وليس أصله أبوه . ولا يجمع ابن علي بنوّة ، وإنما هما مصدران . والجملة من لو وجوابها هي معمول القول فهي في موضع نصب على المفعول ، وجاءت على نظم ما بعد إذا من تقديم نفي الموت على نفي القتل ، كما قدم الضرب على الغزو . والضمير في : لو كانوا ، هو لقتلى أحد ، قاله : الجمهور . أو للسرية الذين قتلوا ببئر معونة قاله : بكر بن سهل الدمياطي . وقرأ الجمهور : وما قتلوا بتخفيف التاء . وقرأ الحسن : بتشديدها للتكثير في المحال ، لا بالنسبة إلى محل واحد ، لأنه لا يمكن التكثير فيه .
لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
اختلفوا في هذه اللام فقيل : هي لام كي . وقيل : لام الصيرورة . فإذا كانت لام كي فبما ذا تتعلق ، ولما ذا يشار بذلك ؟ فذهب بعضهم : إلى أنّها تتعلق بمحذوف يدل عليه معنى الكلام وسياقه ، التقدير : أوقع ذلك ، أي القول والمعتقد في قلوبهم ليجعله حسرة عليهم . وإنما احتيج إلى تقدير هذا المحذوف لأنه لا يصح أن تتعلق اللام على أنها لام كي يقال : لأنهم لم يقولوا تلك المقالة ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم ، فلا يصح ذلك أن يكون تعليلا لقولهم ، وإنما قالوا ذلك تثبيطا للمؤمنين عن الجهاد . ولا يصح أن يتعلق بالنهي وهو : لا يكونوا كالذين كفروا . لأن جعل اللّه ذلك حسرة في قلوبهم ، لا يكون سببا لنهي اللّه المؤمنين عن مماثلة الكفار .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 402 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل