تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
نساء العالمين ، على قوله عاما ، ويكون الأمر الذي اصطفيت به من أجله هو اختصاصها بولادة عيسى . وقيل : هو خدمة البيت . وقيل : التحرير ولم تحرر أنثى غير مريم . وقيل : سلامتها من نخس الشيطان . وقيل : نبوتها ، فإنه قيل إنها نبئت ، وكانت الملائكة تظهر لها وتخاطبها برسالة اللّه لها ، وكان زكريا يسمع ذلك ، فيقول : إن لمريم لشأنا . والجمهور على أنه لم ينبأ امرأة ، فالمعنى الذي اصطفيت لأجله مريم على نساء العالمين هو شيء يخصها ، فهو اصطفاء خاص إذ سببه خاص . وقيل : نساء العالمين ، خاص بنساء عالم زمانها ، فيكون الاصطفاء إذ ذاك عاما ، قاله ابن جريج . و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خير نساء الجنة مريم بنت عمران » . و روي : « خير نسائها مريم بنت عمران » . و روي : « خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد » . و روي : « فضلت خديجة على نساء أمّتي كما فضلت مريم على نساء العالمين » . و روي : أنها من الكاملات من النساء . وقد روي في الأحاديث الصحاح تفضيل مريم على نساء العالمين ، فذهب جماعة من المفسرين إلى ظاهر هذا التفضيل . قال بعض شيوخنا : والذي رأيت ممن اجتمعت عليه من العلماء ، أنهم ينقلون عن أشياخهم : أن فاطمة أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات لأنها بضعة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ
لا خلاف بين المفسرين أن المنادي لها بذلك الملائكة الذين تقدّم ذكرهم على الخلاف المذكور ، والمراد بالقنوت هنا : العبادة ، قاله الحسن ، وقتادة . أو : طول القيام في الصلاة ، قاله مجاهد ، وابن جريج ، والربيع ، أو : الطاعة ، أو : الإخلاص ، قاله ابن جبير . وفي قوله : لربك ، إشارة إلى أن تفرّده بالعبادة وتخصصه بها ، والجمهور على ما قاله مجاهد ، وهو المناسب في المعنى لقوله :
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
وروى مجاهد أنها : لما خوطبت بهذا قامت حتى ورمت قدماها . و قال الأوزاعي : قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها . و روي : أن الطير كانت تنزل على رأسها تظنها جمادا لسكونها في طول قيامها .
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
أمرتها الملائكة بفعل ثلاثة أشياء من هيئات
البحر المحيط في التفسير — صفحة 147 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل