تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وذكر الزمخشري توجيها آخر في تأخير الركوع عن السجود ، فقال : ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع ، وفيه من يركع ، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ، ولا تكون مع من لا يركع . انتهى . فكأنه قيل : لا تقتصري على القيام والسجود ، بل أضيفي إلى ذلك الركوع . وقيل : المراد : باقنتي : أطيعي ، وباسجدي : صلي ، ومنه
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
« 1 » أي : الصلوات ، و : باركعي : اشكري مع الشاكرين ، ومنه :
وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ
« 2 » ويقوي هذا المعنى ، ويرد على من زعم أنه لم تشرع صلاة إلّا والركوع فيها مقدّم على السجود ، فإن المشاهد من صلاة اليهود والنصارى خلوّها من الركوع ، ويبعد أن يراد بالركوع الانحناء الذي يتوصل منه إلى السجود ، ويحتمل أن يكون ترك الركوع مما غيرته اليهود والنصارى من معالم شريعتهم . و : مع ، في قوله : مع الراكعين ، تقتضي الصحبة والاجتماع في إيقاع الركوع مع من يركع ، فتكون مأمورة بالصلاة في جماعة ، ويحتمل أن يتجوز في : مع ، فتكون للموافقة للفعل فقط دون اجتماع ، أي : افعلي كفعلهم ، وإن لم توقعي الصلاة معهم ، فإنها كانت تصلي في محرابها . وجاء : مع الراكعين ، دون الراكعات لأن هذا الجمع أعم إذ يشمل الرجال والنساء على سبيل التغليب ، ولمناسبة أواخر الآيات قبل وبعد ، ولأن الاقتداء بالرجال أفضل إن قلنا إنها مأمورة بصلاة الجماعة . قال الماتريدي : ولم تكره لها الصلاة في الجماعة ، وإن كانت شابة ، لأنهم كانوا ذوي قرابة منها ورحم ، ولذلك اختصوا في ضمها وإمساكها . انتهى .
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
الإشارة إلى ما تقدّم من قصص امرأة عمران ، وبنتها مريم ، وزكريا ، ويحيى ، والمعنى : أن هذه القصص وصولها إليك من جهة الوحي إذ لست ممن دارس الكتب ، ولا صحب من يعرف ذلك ، وهو من قوم أمّيين ، فمدرك ذلك إنما هو الوحي من عند اللّه كما قال في الآية الأخرى ، وقد ذكر قصة أبعد الناس زمانا من زمانه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو نوح عليه السلام ، واستوفاها له في سورة هود أكثر مما استوفاها في غيرها
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
« 3 » وفي هذا دليل على نبوّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ أخبر بغيوب لم يطلع عليها إلّا من
هامش
( 1 ) سورة ق : 50 / 40 . ( 2 ) سورة ص : 38 / 24 . ( 3 ) سورة هود : 11 / 49 .