تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
قيل : النداء يستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به ، فلم يكن هذا إخبارا من الملائكة على عرف الوحي ، بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك ، من أعلى الجبل . قاله ابن عطية ، وغيره . ولا يظهر ذلك ، بل المناداة تكون لتبشير ولتحزين ولغير ذلك ، كما جاء . « يا أهل النار خلود بلا موت » وجاء :
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
« 1 » وإنما فهمت البشارة في الآية من قولهم
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
لا إن لفظ نادته يدل على ذلك ، لا بالوضع ولا بالاستعمال . ويحتمل أن يكون نداؤهم إياه على سبيل الوحي ، أي : أوحي إليهم بأن ينادوه ، أو يكون نادوه من تلقاء أنفسهم ، كما يقال لك : بلغ زيدا كذا وكذا ، فتقول له : يا زيد جرى كذا وكذا . وهما قولان للمفسرين . وفي الكلام حذف تقديره : فتقبل اللّه دعاءه ، ووهب له يحيى ، وبعث إليه الملائكة بذلك ، فنادته . وذكر أنه كان بين دعائه والاستجابة له أربعون سنة ، والظاهر خلاف ذلك . والظاهر أن مناديه جماعة من الملائكة لصيغة اللفظ ، وقد بعث تعالى ملائكة إلى قوم لوط وإلى إبراهيم وفي غير ما قصة . وذكر الجمهور أن المنادي هو جبريل وحده ، ويؤيده قراءة عبد اللّه ومصحفه : فناداه جبريل وهو قائم . وقال الزمخشري : وإنما قيل الملائكة على قولهم : فلان يركب الخيل ، يعني : إن الذي ناداه هو من جنس الملائكة ، لا يريد خصوصية الجمع ، كما أن قولهم : فلان يركب الخيل لا يريد خصوصية الجمع ، إنما يريد مركوبه من هذا الجنس . وخرج عليه الذين قال لهم الناس ، وهو نعيم بن مسعود . وقال الفضل : الرئيس يخبر عنه أخبار الجمع لاجتماع أصحابه معه ، أو لاجتماع الصفات الجميلة فيه ، المتفرقة في غيره . فعبر عنه بالكثرة لذلك . قيل : وجبريل رئيس الملائكة . وقرأ حمزة ، والكسائي : فناداه ، ممالة وباقي السبعة : فنادته ، بتاء التأنيث و : الملائكة ، جمع تكسير ، فيجوز أن يلحق العلامة ، وإن لا يلحق . تقول : قام الرجال ، وقامت الرجال . وإلحاق العلامة قيل . أحسن ، ألا ترى : إذ قالت الملائكة ؟ ولما جاءت رسلنا ؟ ومحسّن الحذف هنا الفصل بالمفعول .
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
ذكر البغوي أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب
هامش
( 1 ) سورة غافر : 40 / 36 .