تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
و روى جابر حديثا مطولا فيه تكثير الخبز واللحم على سبيل خرق العادة لفاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فسألها : من أين لك هذا ؟ فقالت : هو من عند اللّه . فحمد اللّه ، وقال : الحمد للّه الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل . قيل : وفي هذه الآيات أنواع من الفصاحة . العموم الذي يراد به الخصوص في قوله : على العالمين ، والاختصاص في قوله : آدم ، ونوحا ، وآل إبراهيم ، وآل عمران . وإطلاق اسم الفرع على الأصل . والمسبب على السبب ، في قوله : ذرية ، فيمن قال المراد الآباء ، والإبهام في قوله : ما في بطني ، لما تعذر عليها الاطلاع على ما في بطنها أتت بلفظ : ما ، الذي يصدق على الذكر والأنثى ، والتأكيد في قوله :
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
والخبر الذي يراد به الاعتذار في قولها : وضعتها أنثى ، والاعتراض في قوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
، في قراءة من سكن التاء أو كسرها . وتلوين الخطاب ومعدوله في قوله : واللّه أعلم بما وضعت ، في قراءة من كسر التاء ، خرج من خطاب الغيبة في قولها : فلما وضعتها ، إلى خطاب المواجهة في قوله : بما وضعت . والتكرار في : وأنى ، وفي : زكريا ، وزكريا ، وفي : من عند اللّه ، إن اللّه . والتجنيس المغاير في : فتقبلها ربها بقبول ، وأنبتها نباتا ، وفي : رزقا ويرزق . والإشارة ، وهو أن يعبر باللفظ الظاهر عن المعنى الخفي ، في قوله : هو من عند اللّه ، أي هو رزق لا يقدر على الإتيان به في ذلك الوقت إلّا اللّه . وفي قوله : رزقا ، أتى به منكّرا مشيرا إلى أنه ليس من جنس واحد ، بل من أجناس كثيرة ، لأن النكرة تقتضي الشيوع والكثرة . والحذف في عدة مواضع لا يصح المعنى إلا باعتبارها .
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
أصل : هنالك ، أن يكون إشارة للمكان ، وقد يستعمل للزمان وقيل بهما في هذه الآية ، أي في ذلك المكان دعا زكريا ، أو : في ذلك الوقت لما رأى هذا الخارق العظيم لمريم ، وأنها ممن اصطفاها اللّه ، ارتاح إلى طلب الولد واحتاج إليه لكبر سنه ، ولأن يرث منه ومن آل يعقوب ، كما قصه تعالى في سورة مريم ، ولم يمنعه من طلب كون امرأته عاقرا ، إذ رأى من حال مريم أمرا خارجا عن العادة ، فلا يبعد أن يرزقه اللّه ولدا مع كون امرأته كانت عاقرا ، إذ كانت حنة قد رزقت مريم بعد ما أيست من الولد . وانتصاب : هنالك ، بقوله : دعا ، ووقع في تفسير السجاوندي : أن هناك في المكان ، وهنا لك في الزمان ، وهو وهم ، بل الأصل أن يكون للمكان سواء اتصلت به اللام والكاف أو الكاف فقط أو لم يتصلا . وقد يتجوز بها عن المكان إلى الزمان ، كما أن أصل : عند ، أن يكون للمكان ، ثم يتجوز بها للزمان ، كما تقول : آتيك عند طلوع الشمس .