تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
: أي أوضحنا الآيات ، فاقتراح آية مع تقدم مجيء آيات وإيضاحها ، إنما هو على سبيل التعنت . هذا ، وهي آيات مبينات ، لا لبس فيها ، ولا شبهة ، لشدة إيضاحها . لكن لا يظهر كونها آيات إلا لمن كان موقنا ، أما من كان في ارتياب ، أو شك ، أو تغافل ، أو جهل ، فلا ينفع فيه الآيات ، ولو كانت في غاية الوضوح . ألا ترى إلى قولهم :
إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
« 1 » ؟ وقول أبي جهل ، وقد سأل أهل البوادي الوافدين إلى مكة عن انشقاق القمر ، فأخبروه به ، فقال بعد ذلك : هذا سحر مستمر . ولما ذكر أن اقتراح ما تقدم إنما هو من أهواء الذين لا يعلمون ، قال في آخرها :
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
. والإيقان : وصف في العلم يبلغ به نهاية الوثاقة في العلم ، أي من كان موقنا ، فقد أوضحنا له الآيات ، فآمن بها ، ووضحت عنده ، وقامت به الحجة على غيره . وفي جمع الآيات رد على من اقترح آية ، إذ الآيات قد بينت ، فلم يكن آية واحدة ، فيمكن أن يدعي الالتباس فيها ، بل ذلك جمع آيات بينات ، لكن لا ينتفع بها إلا من كان من أهل العلم والتبصر واليقين .
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً
: بشيرا لمن آمن ، ونذيرا لمن كفر . وهذه الآية تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه كان يضيق صدره لتماديهم على ضلالهم . ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر أنه بين الآيات ، ذكر من بينت على يديه ، فأقبل عليه وخاطبه صلّى اللّه عليه وسلّم ليعلم أنه هو صاحب الآيات فقال :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ
، أي بالآيات الواضحة ، وفسر الحق هنا بالصدق وبالقرآن وبالإسلام . وبالحق في موضع الحال ، أي أرسلناك ومعك الحق لا يزايلك . وانتصاب بشيرا ونذيرا على الحال من الكاف ، ويحتمل أن يكون حالا من الحق ، لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضا بالبشارة والنذارة . والأظهر الأول . وعدل إلى فعيل للمبالغة ، لأن فعيلا من صفات السجايا ، والعدل في بشير للمبالغة ، مقيس عند سيبويه ، إذا جعلناه من بشر لأنهم قالوا بشر مخففا ، وليس مقيسا في نذير لأنه من أنذر ، ولعل محسن العدل فيه كونه معطوفا على ما يجوز ذلك فيه ، لأنه قد يسوغ في الكلمة مع الاجتماع مع ما يقابلها ما لا يسوغ فيها لو انفردت ، كما قالوا : أخذه ما قدم وما حدث وشبهه .
وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
: قراءة الجمهور : بضم التاء واللام . وقرأ أبي :
هامش
( 1 ) سورة الحجر : 15 / 15 .