تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
لا على الشرط ، إذ لو بنى على الشرط لدخلت الفاء في قوله :
ما لَكَ
. والأهواء : جمع هوى ، وكان الجمع دليلا على كثرة اختلافهم ، إذ لو كانوا على حق لكان طريقا واحدا ،
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » . وأضاف الأهواء إليهم لأنها بدعهم وضلالاتهم ، ولذلك سمى أصحاب البدع : أرباب الأهواء .
بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
: أي من الدين وجعله علما ، لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة ، قالوا : وتدل هذه الآية على أمور منها : أن من علم اللّه منه أنه لا يفعل الشيء ، يجوز أن يخاطب بالوعيد لاحتمال أن يكون الصارف له ذلك الوعيد ، أو يكون ذلك الوعيد أحد الصوارف ، ونظيره :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
. ومنها ، إن قوله :
بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد المعذرة أولا ، فيبطل بذلك تكليف ما لا يطاق . ومنها : أن اتباع الهوى باطل ، فيدل على بطلان التقليد . وقد فسر العلم هنا بالقرآن ، وبالعلم بضلال القوم ، وبالبيان بأن دين اللّه هو الإسلام ، وبالتحول إلى الكعبة ، قاله ابن عباس . وفي قوله :
ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
، قطع لأطماعهم أن تتبع أهواؤهم ، لأن من علم أنه لا ولي له ولا نصير ينفعه إذا ارتكب شيئا كان أبعد في أن لا يرتكبه ، وذلك إياس لهم في أن يتبع أهواءهم أحد ، وقد تقدّم الكلام في الوليّ والنصير ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
، قال ابن عباس : نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب ، وكانوا اثنين وثلاثين من أهل الحبشة ، وثمانية من رهبان الشام . وقيل : كان بعضهم من أهل نجران ، وبعضهم من أهل الحبشة ، ومن الروم ، وثمانية ملاحون أصحاب السفينة أقبلوا مع جعفر . وقال الضحاك : هم من آمن من اليهود ، كابن سلام ، وابن صوريا ، وابن يامين ، وغيرهم . وقيل : في علماء اليهود وأحبار النصارى . وقال ابن كيسان : الأنبياء والمرسلون . وقيل : المؤمنون . وقيل : الصحابة ، قاله عكرمة وقتادة . وعلى هذا الاختلاف ، يتنزل الاختلاف في الكتاب ، أهو التوراة أو الإنجيل ؟ أو هما والقرآن ؟ أو الجنس ؟ فيكون يعني به المكتوب ، فيشمل الكتب المتقدمة .
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ
: أي يقرءونه ويرتلونه بإعرابه . وقال عكرمة : يتبعون أحكامه . وقال الحسن : يعملون بمحكمه ويكلون متشابهه إلى اللّه . وقال عمر : يسألون من رحمته ويستعيذون من عذابه . وقال الزمخشري : لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والذين : مبتدأ ، فإن أريد به الخصوص في من اهتدى ، صح أن يكون
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 82 .