مع التكوين حادث ، وقد انتهى ما رده به ابن عطية . ومعنى رده : أن الأمر عنده قد تم ، والتكوين حادث ، وقد نسق عليه بالفاء ، فهو معه ، أي يعتقبه ، فلا يصح ذلك ، لأن القديم لا يعتقبه الحادث . وتقرير الطبري له هو ما تقدم في أوائل الكلام على هذه المسألة ، من أن الأمر لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه . وما رده به ابن عطية لا يتم إلا بأن تحمل الآية على أن ثم قولا وأمرا قديما . أما إذا كان ذلك على جهة المجاز ، ومن باب التمثيل ، فيجوز أن يعطف على تقول . وقرأ ابن عامر : فيكون بالنصب ، وفي آل عمران :
كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » ونعلمه ، وفي النحل ، وفي مريم ، وفي يس ، وفي المؤمن . ووافقه الكسائي في النحل ويس ، ولم يختلف في
كُنْ فَيَكُونُ
الحق في آل عمران . و
كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » قوله الحق في الأنعام أنه بالرفع ، ووجه النصب أنه جواب على لفظ كن ، لأنه جاء بلفظ الأمر ، فشبه بالأمر الحقيقي . ولا يصح نصبه على جواب الأمر الحقيقي ، لأن ذلك إنما يكون على فعلين ينتظم منهما شرط وجزاء نحو : ائتني فأكرمك ، إذ المعنى : أن تأتني أكرمك . وهنا لا ينتظم ذلك ، إذ يصير المعنى : إن يكن يكن ، فلا بد من اختلاف بين الشرط والجزاء ، إما بالنسبة إلى الفاعل ، وإما بالنسبة إلى الفعل في نفسه ، أو في شيء من متعلقاته . وحكى ابن عطية ، عن أحمد بن موسى ، في قراءة ابن عامر : أنها لحن ، وهذا قول خطأ ، لأن هذه القراءة في السبعة ، فهي قراءة متواترة ، ثم هي بعد قراءة ابن عامر ، وهو رجل عربي ، لم يكن ليلحن . وقراءة الكسائي في بعض المواضع ، وهو إمام الكوفيين في علم العربية ، فالقول بأنها لحن ، من أقبح الخطأ المؤثم الذي يجر قائله إلى الكفر ، إذ هو طعن على ما علم نقله بالتواتر من كتاب اللّه تعالى .
وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ
: قال ابن عباس ، والحسن ، والربيع ، والسدي : نزلت في كفار العرب حين ، طلب عبد اللّه بن أمية وغيره ذلك . وقال مجاهد : في النصارى ، ورجحه الطبري لأنهم المذكورون في الآية أولا . وقال ابن عباس أيضا :
اليهود الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
قال رافع بن خزيمة ، من اليهود : إن كنت رسولا من عند اللّه ، فقل للّه يكلمنا حتى نسمع كلامه ، فأنزل اللّه الآية .
وقال قتادة : مشركو مكة .
وقيل : الإشارة بقوله :
الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
إلى جميع هذه الطوائف ، لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة ، واختلافهم في الموصول مبني على اختلافهم في السبب . فإن كان الموصول الجهلة من العرب ، فنفى عنهم العلم ، لأنهم لم يكن لهم كتاب ، ولا هم أتباع نبوّة ، وإن
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 47 .
( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 73 .