تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
واسع العطاء ، وهو معنى قول أبي عبيدة : غني ، ومعنى قول الفراء : جواد . وقيل : معناه عالم ، من قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 1 » ، على أحد التفاسير ، وجمع بينه وبين عليم على سبيل التأكيد . وقيل : واسع القدرة . وقيل : معناه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر . عليم : أي بمصالحهم أو بنيات القلوب التي هي ملاك العمل ، وإن اختلفت ظواهرها في قبلة وغيرها . وهذه التفاسير على قول من قال : إن الآية نزلت في أمر القبلة . وقال القفال : ليس فيها ذكر القبلة والصلاة ، وإنما أخبرهم تعالى عن علمه بهم ، وطوق سلطانه إياهم حيث كانوا ، كقوله تعالى :
إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
« 2 » ، الآية ، وقوله :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى
« 3 » الآية ، ويكون في هذا تهديد لمن منع مساجد اللّه من الذكر ، وسعى في خرابها ، أنه لا مهرب له من اللّه ولا مفر ، كما قال تعالى :
أَيْنَ الْمَفَرُّ ، كَلَّا لا وَزَرَ ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
« 4 » ، وكما قال :
فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال :
ولم يكن المغتر باللّه إذ سرى * ليعجز والمعتز باللّه طالبه
وقال :
أين المفر ولا مفر لهارب * وله البسيطان الثرى والماء
وعلى هذا المعنى يكون الخطاب عاما مندرج فيه من منع المساجد من الذكر وغيره . وجاءت هذه الجملة مؤكدة بأن مصرحا باسم اللّه فيها دالة على الاستقلال . وقد قدّمنا ذلك في قوله :
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
« 5 » ، وكقوله :
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *
« 6 » ، وذلك أفخم وأجزل من الضمير ، لأن الضمير يشعر بقوة التعلق والظاهر يشعر بالاستقلال . ألا ترى أنه يصح الابتداء به ، وإن لم يلحظ ما قبله ؟ بخلاف الضمير ، فإنه رابط للجملة التي هو فيها بالجملة التي قبلها . ألا ترى إلى أن أكثر ما ورد في القرآن من ذلك إنما جاء بالظاهر ؟ كما مثلناه ، وكقوله :
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ
« 7 » ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ
« 8 » ، وقال :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 255 . ( 2 ) سورة الرحمن : 55 / 33 . ( 3 ) سورة المجادلة : 58 / 7 . ( 4 ) سورة القيامة : 75 / 10 - 12 . ( 5 ) سورة البقرة : 2 / 110 . ( 6 ) سورة المزمل : 73 / 20 . ( 7 ) سورة النساء : 4 / 103 . ( 8 ) سورة البقرة : 2 / 20 .