تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
تعالى ، فأي جهة أدّيتم فيها العبادة ، فهي للّه يثيب على ذلك ، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد . والمعنى : وللّه بلاد المشرق والمغرب وما بينهما . فيكون على حذف مضاف ، أو يكون المعنى : وللّه المشرق والمغرب وما بينهما ، فيكون على حذف معطوف ، أو اقتصر على ذكرهما تشريفا لهما ، حيث أضيفا للّه ، وإن كانت الأشياء كلها للّه ، كما شرف البيت الحرام وغيره من الأماكن بالإضافة إليه تعالى . وهذا كله على تقدير أن يكون المشرق والمغرب أسمى مكان . وذهب بعض المفسرين إلى أنهما اسما مصدر ، والمعنى أن للّه تولي إشراق الشمس من مشرقها وإغرابها من مغربها ، فيكونان ، إذ ذاك ، بمعنى الشروق والغروب . ويبعد هذا القول قوله بعد :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
. وأفرد المشرق والمغرب باعتبار الناحية ، أو باعتبار المصدر الواقع في الناحية . وأما الجمع فباعتبار اختلاف المغارب والمطالع كل يوم . وأما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما . ومعنى التولية : الاستقبال بالوجوه . وقيل : معناها الاستدبار من قولك : وليت عن فلان إذا استدبرته ، فيكون التقدير : فأي جهة وليتم عنها واستقبلتم غيرها فثم وجه اللّه . وقيل : ليست في الصلاة ، بل هو خطاب للذين يخرّبون المساجد ، أي أينما تولوا هاربين عني فإني ألحظهم . ويقويه قراءة الحسن : فأينما تولوا ، جعله للغائب ، فجرى على قوله :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
، وعلى قوله :
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
، فجرت الضمائر على نسق واحد . قال الزمخشري : ففي أي مكان فعلتم التولية ، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ *
« 1 » ، انتهى . فقيد التولية التي هي مطلقة هنا بالتولية التي هي شطر القبلة ، وهو قول حسن . وقد ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
مسائل موضوعها علم الفقه منها : من صلى في ظلمة مجتهدا إلى جهة ، ثم تبين أنه صلى لغير القبلة ، ومسألة من صلى على ظهر الدابة فرضا لمرض أو نفلا ، ومسألة الصلاة على الميت الغائب ، إذا قلنا نزلت في النجاشي ، وشحن كتابه بذكر هذه المسائل ، وذكر الخلاف فيها ، وبعض دلائلها وموضوعها ، كما ذكرناه هو علم الفقه .
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
، هذا جواب الشرط ، وهي جملة ابتدائية ، فقيل : معناه فثمّ قبلة اللّه ، فيكون الوجه بمعنى الجهة ، وأضيف ذلك إلى اللّه حيث أمر باستقبالها ، فهي الجهة التي فيها رضا اللّه تعالى ، قاله
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 144 .