تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 543

مساهمون:

ص٥٤٣
صفة لمصدر محذوف ، أي قولا راعنا ، وهو على طريق النسب كلابن وتأمر . لما كان القول سببا في السبب ، اتصف بالرعن ، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه ، أو يوهم شيئا من الغض ، مما يستحقه صلّى اللّه عليه وسلّم من التعظيم وتلطيف القول وأدبه . وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك ، إذ خاطبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الرعونة ، وكذا قيل في راعونا ، إنه فاعولا من الرعونة ، كعاشورا . وقيل : كانت لليهود كلمة عبرانية ، أو سريانية يتسابون بها وهي : راعينا ، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا ، اقترضوه وخاطبوا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم يعنون تلك المسبة ، فنهي المؤمنون عنها ، وأمروا بما هو في معناها . ومن زعم أن راعنا لغة مختصة بالأنصار ، فليس قوله بشيء ، لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب . وكذلك قول من قال : إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحا ، لأن الأول لم يكن شرعا متقررا قبل . وقيل في سبب نزولها غير ذلك . وبالجملة ، فهي كما قال محمد بن جرير : كلمة كرهها اللّه أن يخاطب بها نبيه ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقولوا عبدي وأمتي وقولوا فتاي وفتاتي ولا تسموا العنب الكرم » . وذكر في النهي وجوه : إن معناها اسمع لا سمعت ، أو إن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر ، قاله قطرب ، أو أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي راعي غنمنا ، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة ، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه ، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة . وقوله : انظرنا ، قراءة الجمهور ، موصول الهمزة ، مضموم الظاء ، من النظرة ، وهي التأخير ، أي انتظرنا وتأنّ علينا ، نحو قوله :
فإنكما إن تنظراني ساعة * من الدهر تنفعني لدى أم جندب
أو من النظر ، واتسع في الفعل فعدى بنفسه ، وأصله أن يتعدى بإلى ، كما قال الشاعر :
ظاهرات الجمال والحسن ينظر * ن كما ينظر الأراك الظباء
يريد : إلى الأراك ، ومعناه : تفقدنا بنظرك . وقال مجاهد : معناه فهمنا وبين لنا ، فسر باللازم في الأصل ، وهو انظر ، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل ، والتأني به أن يفهم بذلك . وقيل : هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه ، فاتسع في الفعل أيضا ، إذ أصله أن يتعدى بفي ، ويكون أيضا على حذف مضاف ، أي انظر في أمرنا . قال ابن عطية : وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والظاهر عندي استدعاء نظر