تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
فعل بضم العين ، وهو بناء نادر في الثلاثي اليائي العين ، لم يسمع منه إلا قولهم : هيؤ الرجل ، فهو هيئ ، إذا حسنت هيئته . وأحكام ليس كثيرة مشروحة في كتب النحو . الحكم : الفصل ، ومنه سمي القاضي : الحاكم ، لأنه يفصل بين الخصمين . الاختلاف : ضد الاتفاق .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
: هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة ، بالنداء الدال على الإقبال عليهم ، وذلك أن أول نداء جاء أتى عامّا :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
« 1 » ، وثاني نداء أتى خاصا :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا *
« 2 » ، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين : اليهودية والنصرانية ، وثالث نداء لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المؤمنين . فكان أول نداء عامّا ، أمروا فيه بأصل الإسلام ، وهو عبادة اللّه . وثاني نداء ، ذكروا فيه بالنعم الجزيلة ، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة ، وخوّفوا من حلول النقم الوبيلة وثالث نداء : علموا فيه أدبا من آداب الشريعة مع نبيهم ، إذ قد حصلت لهم عبادة اللّه ، والتذكير بالنعم ، والتخويف من النقم ، والاتعاظ بمن سبق من الأمم ، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل ، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه . والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين ، قيل : ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره . وروي عن ابن عباس : أنه حيث جاء هذا الخطاب ، فالمراد به أهل المدينة ، وحيث ورد يا أيها الناس ، فالمراد أهل مكة .
لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
: بدئ بالنهي ، لأنه من باب التروك ، فهو أسهل . ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس ، قبل بالنهي . ثم لم يكن نهيا عن شيء سبق تحريمه ، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالبا ، فصار المعنى : ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك ، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة ، وأمروا بأن يقولوا : انظرنا ، إذ هو فعل من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا مشاركة لهم فيه معه . وقراءة الجمهور : راعنا . وفي مصحف عبد اللّه وقراءته ، وقراءة أبي : راعونا ، على إسناد الفعل لضمير الجمع . وذكر أيضا أن في مصحف عبد اللّه : ارعونا . خاطبوه بذلك إكبارا وتعظيما ، إذ أقاموه مقام الجمع . وتضمن هذا النهي ، النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقرأ الحسن ، وابن أبي ليلى ، وأبو حيوة ، وابن محيصن : راعنا بالتنوين ، جعله
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 21 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 40 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 542 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل