فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
: لما كان الكتاب جائيا من عند اللّه إليهم ، فكذبوه وستروا ما سبق لهم عرفانه ، فكان ذلك استهانة بالمرسل والمرسل به . قابلهم اللّه بالاستهانة والطرد ، وأضاف اللعنة إلى اللّه تعالى على سبيل المبالغة ، لأن من لعنه اللّه تعالى هو الملعون حقيقة .
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
« 1 » ؟
وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
« 2 » . ثم إنه لم يكتف باللعنة حتى جعلها مستعلية عليهم ، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم ، فجللهم بها ، ثم نبه على علة اللعنة وسببها ، وهي الكفر ، كما قال قبل :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
، وأقام الظاهر مقام المضمر لهذا المعنى ، فتكون الألف واللام للعهد ، أو تكون للعموم ، فيكون هؤلاء فردا من أفراد العموم . قال الزمخشري :
ويجوز أن تكون للجنس ، ويكون فيه دخولا أوليا . ونعني بالجنس العموم ، وتخيله أنهم يدخلون فيه دخولا أوليا ليس بشيء ، لأن دلالة العلة على إفراده ليس فيها بعض الإفراد أولى من بعض ، وإنما هي دلالة على كل فرد فرد ، فهي دلالة متساوية . وإذا كانت دلالة متساوية ، فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء .
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
: تقدّم الكلام على بئس ، وأما ما فاختلف فيها ، ألها موضع من الإعراب أم لا . فذهب الفرّاء إلى أنه بجملته شيء واحد ركب ، كحبذا ، هذا نقل ابن عطية عنه . وقال المهدوي : قال الفرّاء يجوز أن تكون ما مع بئس بمنزلة كلما ، فظاهر هذين النقلين أن ما لا موضع لها من الإعراب ، وذهب الجمهور إلى أن لها موضعا من الإعراب . واختلف ، أموضعها نصب أم رفع ؟ فذهب الأخفش إلى أن موضعها نصب على التمييز ، والجملة بعدها في موضع نصب على الصفة ، وفاعل بئس مضمر مفسر بما ، التقدير : بئس هو شيئا اشتروا به أنفسهم ، وأن يكفروا هو المخصوص بالذم ، وبه قال الفارسي في أحد قوليه ، واختاره الزمخشري . ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص بالذم محذوفا ، واشتروا صفة له ، والتقدير : بئس شيئا شيء اشتروا به أنفسهم ، وأن يكفروا بدل من ذلك المحذوف ، فهو في موضع رفع ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو أن يكفروا . وذهب الكسائي في أحد قوليه إلى ما ذهب إليه هؤلاء ، من أن ما موضعها نصب على التمييز ، وثم ما أخرى محذوفة موصولة هي المخصوص بالذم ، التقدير : بئس شيئا الذي اشتروا به أنفسهم . فالجملة بعد ما المحذوفة صلة لها ، فلا موضع لها من الإعراب . وأن يكفروا على هذا القول بدل ، ويجوز على هذا القول أن يكون خبر
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 60 .
( 2 ) سورة النساء : 4 / 52 .