تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
وقدره غيره : كفروا ، فحذف لدلالة كفروا به عليه ، والمعنى قريب في ذلك . وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ
، جواب لما الأولى ، وكفروا ، جواب لقوله : فلما جاءهم . وهو عنده نظير قوله :
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ
« 1 » . قال : ويدل على أن الفاء هنا ليست بناسقة أن الواو لا تصلح في موضعها . وذهب المبرد إلى أن جواب لما الأولى هو : كفروا به ، وكرر لما لطول الكلام ، ويقيد ذلك تقريرا للذنب وتأكيدا له . وهذا القول كان يكون أحسن لولا أن الفاء تمنع من التأكيد . وأما قول الفراء فلم يثبت من لسانهم ، لما جاء زيد ، فلما جاء خالد أقبل جعفر ، فهو تركيب مفقود في لسانهم فلا نثبته ، ولا حجة في هذا المختلف فيه ، فالأولى أن يكون الجواب محذوفا لدلالة المعنى عليه ، وأن يكون التقدير :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
كذبون ، ويكون التكذيب حاصلا بنفس مجيء الكتاب من غير فكر فيه ولا رويّة ، بل بادروا إلى تكذيبه . ثم قال تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ
، أي يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم ، أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيا يبعث قد قرب وقت بعثه ، فكانوا يخبرون بذلك .
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا
: وما سبق لهم تعريفه للمشركين .
كَفَرُوا بِهِ
: ستروه وجحدوه ، وهذا أبلغ في ذمهم ، إذ يكون الشيء المعروف لهم ، المستقر في قلوبهم وقلوب من أعلموهم به كيانه ونعته يعمدون إلى ستره وجحده ، قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
« 2 » . وقال أبو القاسم الراغب : ما ملخصه الاستفتاح ، طلب الفتح ، وهو ضربان : إلهي ، وهو النصرة بالوصول إلى العلوم المؤدية إلى الثواب ، ومنه
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
« 3 » ، فعسى اللّه أن يأتي بالفتح . ودنيوي ، وهو النصرة بالوصول إلى اللذات البدنية ، ومنه
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
« 4 » . فمعنى يستفتحون : أي يعلمون خبره من الناس مرّة ، ويستنبطون ذكره من الكتب مرة . وقيل : يطلبون من اللّه بذكره الظفر . وقيل : كانوا يقولون إنا ننصر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم على عبدة الأوثان . وكل ذلك داخل في عموم الاستفتاح . انتهى . وظاهر قوله : ما عرفوا أنه الكتاب ، لأنه أتى بلفظ ما ، ويحتمل أنه يراد به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن ما قد يعبر بها عن صفات من يعقل ، ويجوز أن يكون المعنى : ما عرفوه من الحق ، فيندرج فيه معرفة نبوّته وشريعته وكتابه ، وما تضمنه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 38 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 14 . ( 3 ) سورة الفتح : 48 / 1 . ( 4 ) سورة الأنعام : 6 / 44 .