تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
عموم رحمته لذي القربى ، واليتامى والمساكين ، وأن يقول للناس حسنا . وحقيقة العبودية الصدق مع الحق ، والرفق مع الخلق . انتهى ، وبعضه مختصر . وقال بعض أهل الإشارات : الأسباب المتقرّب بها إلى اللّه تعالى : اعتقاد وقول وعمل ونية . فنبه بقوله :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
، على مقام التوحيد ، واعتقاد ما يجب له على عباده من الطاعات والخضوع منفردا بذلك ، ومالية محضة وهي : الزكاة ، وبدنية محضة وهي : الصلاة ، وبدنية ومالية وهو : برّ الوالدين والإحسان إلى اليتيم والمسكين .
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
: الكلام على :
تَسْفِكُونَ
، كالكلام على :
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
من حيث الإعراب . وقرأ الجمهور : بفتح التاء وسكون السين وكسر الفاء . وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة ؛ كذلك ، إلا أنهما ضما الفاء . وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز : بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء المشددة . وقرأ ابن أبي إسحاق : كذلك ، إلا أنه سكن السين وخفف الفاء ، وظاهر قوله :
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
، أي لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدّة تصيبكم وحنق يلحقكم . وقد جاء في الحديث أمر الذي وضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ، ثم تحامل عليه فقتل نفسه . وإخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه من أهل النار . وصح من قتل نفسه بحديدة ، فحديدته في يده ، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا . وتظافرت على تحريم قتل النفس الملل . وقال تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
« 1 » . وقيل معناه : لا تسفكوا دماء الناس ، فإن من سفك دماءهم سفكوا دمه ، وقال :
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها * ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
وقيل : معناه لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك ، كالارتداد والزنا بعد الإحصان والمحاربة ، وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك ، مما يزيل عصمة الدماء . وقيل : معناه لا يسفك بعضكم دماء بعض ، وإليه أشار بقوله : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، وكل أهل دين كنفس واحدة ، قاله قتادة ، واختاره الزمخشري . قال ابن عطية : إن اللّه أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا أن لا يقتل بعضهم بعضا ، ولا ينفيه ، ولا يسترقه ، ولا يدعه يسترق ، إلى غير ذلك من الطاعات . والخطاب في أخذنا ميثاقكم لعلماء اليهود الذين كانوا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو مع أسلافهم .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 29 .