تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
التقسيم للحجارة ، ولا يعدل عن الظاهر إلا بدليل واضح ، والهبوط لا يليق بالقلوب ، إنما يليق بالحجارة . وليس تأويل الهبوط بأولى من تأويل الخشية إن تأوّلناها . وقد أمكن في الوجوه التي تضمنت حملها على الحقيقة ، وإن كان بعض تلك الأقوال أقوى من بعض . وذهب بعضهم إلى أن الذي يهبط من خشية اللّه هو الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى عليه السلام ، إذ جعله دكا . وذهب قوم إلى أن الخشية هنا مجاز من مجاز الاستعارة ، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى :
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
« 1 » ، وكما قال زيد الخيل :
بجمع تضل البلق في حجراته * ترى الأكم منه سجدا للحوافر
وكما قال الآخر :
لما أتى خبر الزبير تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشع
أي من رأى الحجر متردّيا من علوّ إلى أسفل ، تخيل فيه الخشية ، فاستعار الخشية ، كناية عن الانقياد لأمر اللّه ، وأنها لا تمتنع على ما يريد اللّه تعالى فيها . فمن يراها يظنّ أن ذلك الانفعال السريع هو مخافة خشية اللّه تعالى . وهذا قول من ذهب إلى أن الحياة والنطق لا يحلان في الجمادات ، وذلك ممتنع عندهم . وتأوّلوا ما ورد في القرآن والحديث ، مما يدل على ذلك على أن اللّه تعالى قرن بها ملائكة ، هي التي تسلم وتتكلم ، كما ورد أن الرحم معلقة بالعرش ، تنادي : اللهم صل من وصلني ، واقطع من قطعني . والأرحام ليست بجسم ، ولا لها إدراك ، ويستحيل أن تسجد المعاني ، أو تتكلم ، وإنما قرن اللّه تعالى بها ملكا يقول ذلك القول . وتأوّلوا : هذا جبل يحبنا ونحبه ، أي يحبه أهله ونحب أهله ، كقوله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 2 » . واختيار ابن عطية ، رحمه اللّه تعالى ، أن اللّه يخلق للحجارة قدرا ما من الإدراك ، تقع به الخشية والحركة . واختيار الزمخشري أن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر اللّه تعالى وعدم امتناعها ، وترتيب تقسيم هذه الحجارة ترتيب حسن جدا ، وهو على حسب الترقي . فبدأ أولا بالذي تتفجر منه الأنهار ، أي خلق ذا خروق متسعة ، فلم ينسب إليه في نفسه تفعل ولا فعل ، أي أنها خلقت ذات خروق بحيث لا يحتاج أن يضاف إليها صدور فعل منها . ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالا يسيرا ، وهو أن يصدر منه تشقق بحيث ينبع منه الماء . ثم ترقى من هذا الحجر إلى الحجر الذي ينفعل انفعالا عظيما ، بحيث يتحرك ويتدهده من علو إلى أسفل ، ثم رسخ هذا الانفعال التامّ بأن
هامش
( 1 ) سورة الكهف : 18 / 77 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 82 .