تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
ويكون مما حذف منه المبتدأ لدلالة المعنى عليه ، التقدير : وما من الحجارة حجر إلا يتفجر منه الأنهار ، وكذلك ما فيها ، كقوله تعالى :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 1 » ، أي وما منا أحد إلا له مقام معلوم ،
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
« 2 » ، أي وما من أهل الكتاب أحد ، وحذف هذا المبتدأ أحسن ، دلالة المعنى عليه ، إلا أنه يشكل معنى الحصر ، إذ يظهر بهذا التفضيل أن الأحجار متعدّدة ، فمنها ما يتفجر منه الأنهار ، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء ، ومنها ما يهبط من خشية اللّه . وإذا حصرت ، أفهم المفهوم قبله أن كل فرد فرد من الأحجار فيه هذه الأوصاف كلها ، أي تتفجر منه الأنهار ، ويتشقق منه الماء ، ويهبط من خشية اللّه . ولا يبعد ذلك إذا حمل اللفظ على القابلية ، إذ كل حجر يقبل ذلك ، ولا يمتنع فيه ، إذا أراد اللّه ذلك . فإذا تلخص هذا كله كانت القراءة متوجهة على تقدير : أن يقرأ طلحة ، وإن بالتخفيف . وأما إن صح عنه أنه يقرأ وإن بالتشديد ، فيعسر توجيه ذلك . وأما من زعم أن إن المشدّدة هي بمعنى ما النافية ، فلا يصح قوله ، ولا يثبت ذلك في لسان العرب . ويمكن أن توجه قراءة طلحة لما بالتشديد ، مع قراءة إن بالتشديد ، بأن يكون اسم إن محذوفا لفهم المعنى ، كما حذف في قوله : ولكن زنجيّ عظيم المشافر وفي قوله : فليت دفعت الهم عني ساعة وتكون لما بمعنى حين ، على مذهب الفارسي ، أو حرف وجوب لوجوب ، على مذهب سيبويه . والتقدير : وإن منها منقادا ، أو لينا ، وما أشبه هذا . فإذا كانوا قد حذفوا الاسم والخبر على ما تأوله بعضهم في لعن اللّه ناقة حملتني إليك ، فقال : إن وصاحبها ، فحذف الاسم وحده أسهل . وقرأ الجمهور : يتفجر بالياء ، مضارع تفجر . وقرأ مالك بن دينار : ينفجر بالياء ، مضارع انفجر ، وكلاهما مطاوع . أما يتفجر فمطاوع تفجر ، وأما ينفجر فمطاوع فجر مخففا . والتفجر : التفتح بالسعة والكثرة ، والانفجار دونه ، والمعنى : إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر . وقرأ أبيّ والضحاك : منها الأنهار . وقرأ الجمهور منه ، فالقراءة الأولى حمل على المعنى ، وقراءة الجمهور على اللفظ ، لأن ما لها هنا لفظ ومعنى ، لأن المراد به الحجارة ، ولا يمكن أن يراد به مفردا
هامش
( 1 ) سورة الصافات : 37 / 164 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 159 .